يعاني العصر الحالي من مجموعتين من الأوضاع المتصفة بالغموض والريبة، التي تتطلب وجود استراتيجية عليا. فالركود العظيم هز الاقتصاد العالمي، وكان على النظام الدولي أن يتعامل مع خليط من الكوارث الطبيعية والتغيرات التكنولوجية، كذلك انتشرت الثورة في الشرق الأوسط بسرعة، وتأثيراتها لا زالت غير واضحة على النظام الدولي ، وازدادت القوة النسبية للصين في حين تراجعت قوة أميركا.
وفي عالم يتصف بالغموض والشكوك العميقة، تصبح النوايا لها أهمية، وهنا تأتي أهمية الاستراتيجية العليا.
وعند العمل في أرض مجهولة، فإن المسؤولين يستنتجون ما يفترض القيام به من الوثائق الاستراتيجية لحكوماتهم، ويمكن للاعبين الأجانب أيضا تطوير توقعات مستقبلية بالاستناد إليها، والحكومات الأجنبية تهتم في معرفة إلى أي حد رد الفعل على حالة الغموض تلك، يسعى إلى إعادة النظر في الوضع القائم أو إلى تعزيزه. فالبلدان تفضل الوضع القائم على الرغم من سيئاته، والاستراتيجيات التي تحرض على إعادة نظر في النظام الدولي تجعل البلدان الأخرى تشعر بالقلق. ان مبدأ بوش الخاص بالتدخلات الاستباقية كان له هذا التأثير، كتصريح الصين الأخير باعتبار بحر الصين الجنوبي "مصلحة وطنية جوهرية".
وهناك سمة أخرى أيضا تثير الاهتمام في الاستراتيجية العليا، فكل القوى العظمى لديها أفكارها الخاصة بكيفية دعم قيام نظام دولي مستقر: الإقرار بسيادة الأمم، ومنع انتشار الأسلحة النووية، وتشجيع الديمقراطية وغيرها. وتقدم هذه الأفكار منافع للعالم أجمع، لكن في بعض الحالات، تبدو المنافع للآخرين أقل وضوحا. وعندما تضع قوة عظمى استراتيجية للسياسة الخارجية تبدو وكأنها تركز على مصالحها، فتطلق ردود فعل من الدول الأخرى.