قد تكون قضية الحصول على دولة للفلسطينيين أكثر القضايا الخلافية التي تواجهها الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السادسة والستين، التي ستفتتح قريبا، لكن من غير المؤكد بعد ما إذا كان قرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيطرح أمام الجمعية العامة. فالأمر يتطلب الإبحار وتخطي عوائق دبلوماسية وبيروقراطية، والنظر في قضايا استراتيجية وتكتيكية، إلى جانب مواجهة الفلسطينيين لنقمة الولايات المتحدة إذا ما مضوا في مخططهم.
وكانت إدارة أوباما قد صرحت علنا بمعارضتها لمثل تلك الخطوة، وأعلنت عن عزمها استخدام حق الفيتو ضد أي مشروع قرار يطرح أمام مجلس الأمن. أما الفلسطينيون الذين يعتقدون أنهم يحظون بدعم 130 دولة من اصل 193 في الأمم المتحدة، ويحتاجون إلى أغلبية الثلثين للموافقة على مشروع القرار، فإنهم غاضبون، لكنهم في الوقت نفسه خائفون من تبعات تحدي الموقف الأميركي.
ومن جانبها، تحاول الولايات المتحدة إعادة الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات، من دون تحقيق أي نجاح إلى الآن، لأنها تعتقد أنها الوسيلة الوحيدة التي يمكن ان تحل الصراع الذي يمتد لعقود من الزمن.
ويعتقد بعض الفلسطينيين أن قيادة السلطة الفلسطينية، على الرغم من تصريحاتها القوية الملتزمة الذهاب إلى الأمم المتحدة، قد تكون الآن تفتش عن طريقة «للنزول عن الشجرة».
عودة للمفاوضات
يقول المحلل الفلسطيني معين رباني: إن القيادة الفلسطينية قد أشارت مرارا وتكرارا إلى أنها ستعود إلى طاولة المفاوضات إذا ما اقترحت أميركا صيغة مقبولة، ويرى أن جل ما تطلبه هذه القيادة من الولايات المتحدة في هذه اللحظة هو طرح بنود خطاب أوباما (بإقامة دولة فلسطينية على أساس حدود 1967 مع اتفاق على تبادل الأراضي) وموافقة الإسرائيليين عليها، إلا أن الولايات المتحدة، من وجهة نظره، لم تكن مستعدة أو حتى قادرة على القيام بذلك. فالرئيس الأميركي باراك أوباما، وبمعزل عن أي اعتبارات أخرى، هو غير مستعد للمخاطرة باستعداء اللوبي المؤيد لإسرائيل، قبل الانتخابات الأميركية في السنة المقبلة.
ويرى رباني أن القيادة الفلسطينية التي مضت في استراتيجية الأمم المتحدة كوسيلة لتحسين موقعها في المحادثات، أجبرت على هذا المسار كبديل للمفاوضات. لكنه يجد لهذا الأمر عواقب بعيدة المدى، ويقول: «يمثل هذا المسار تفككا فلسطينيا تدريجيا، لا يمكن عكس اتجاهه عن مسار المفاوضات الثنائية التي ترعاها أميركا، والتي بنيت على أساس مصالح إسرائيل».
تراجع
لكن المستشارة القانونية السابقة للفلسطينيين، ديانا بوتو، تتوقع تراجعا عن استراتيجية الأمم المتحدة، وتقول: «لقد تسلقت القيادة الفلسطينية الشجرة ولا تتقن النزول إلا بالسقوط على الأرض»، وتضيف إن السلطة الفلسطينية لم تفكر جيدا بما تأمل تحقيقه من خلال المضي في نهج الأمم المتحدة، فالسعي وراء الدولة هو مجرد تكتيك لتقويتها في المفاوضات، ويفترض، على سبيل المثال أن يسمح هذا التكتيك للفلسطينيين بتحدي سياسات إسرائيل وممارساتها في إطار محكمة العدل الدولية.
ولقد أطلق المسعى الفلسطيني الذي يلقى دعما رسميا من الجامعة العربية أخيرا، صفير الإنذار في إسرائيل، حيث أرسل وزير الخارجية الإسرائيلي بتعليماته إلى الدبلوماسيين الإسرائيليين عبر العالم، وخصوصا في أوروبا الغربية، دعاهم فيها للتحرك وتشكيل جماعات ضغط ضد عملية الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وتسعى إسرائيل إلى وصف أي تصويت لصالح الدولة الفلسطينية كعمل يهدد وجود دولة إسرائيل نفسها، ولقد هددت بالتخلي عن كل الاتفاقات السابقة، لاسيما اتفاقات أوسلو، التي على أساسها تم تشكيل السلطة الفلسطينية، إذا ما ضغط الفلسطينيون نحو اعتماد طريق الأمم المتحدة.
يقول رباني: «ترى إسرائيل الأمر كجزء من تحول أشمل يعادي سيطرتها على الأراضي المحتلة، وهي تنظر في النتائج المباشرة والبعيدة المدى للحدث».
ومن جهة أخرى، يقول المحللون إن إسرائيل باحتلالها دولة ذات سيادة، على نقيض احتلالها لأراض فلسطينية، سوف تتعرض لضغوط دولية متزايدة.
ومن السهل فهم السعي الأميركي الحثيث لتجنب أوضاع ينظر من خلالها إلى أميركا كعائق رئيسي أمام حصول الفلسطينيين على دولة، وكذلك أن تضطر للتعامل مع تبعات ذلك، وبناء على هذا الأمر، يشكل موقف 27 دولة في الاتحاد الأوروبي منقسمة حول قضية الاعتراف، وضعا حساسا بالنسبة لها.
وكان دبلوماسيون أوروبيون قد حذروا من احتمال حصول انقسام في الاتحاد الأوروبي حول الموضوع، ويحاولون إقناع الفلسطينيين للمضي في قرار من شأنه «توحيد الجهود» في الأمم المتحدة، بالإشارة إلى حدود 1967 كأساس للدولة، مع التخلي عن الاعتراف الفوري بها. وحتى الآن، مازال موقف الحكومة البريطانية غامضا، وكانت قد عبرت عن إمكانية دعمها الخطوة الفلسطينية ما لم تجر العودة إلى المفاوضات، الأمر الذي سيشكل دفعا هائلا لقضية فلسطين وضربة مهمة لإسرائيل. وترى أميركا موقف بريطانيا مفيدا في الوقت الذي تسعى فيه إلى إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، لكنها تريد من بريطانيا دعم موقفها إذا وصل الأمر إلى التصويت.
وبالنسبة إلى موقف الرأي العام العالمي، يرى رباني أن الفلسطينيين هم في أفضل وضع منذ عقود على الإطلاق، لكن الخطر في ان يفوتوا هذه الفرصة بعدم القيام بتعبئة شعبية.
ويزداد الحديث هذه الأيام عن مقاومة سلمية وانتفاضة ثالثة، بوصول أصداء الربيع العربي إلى الضفة الغربية وغزة، وتحظى فكرة انتفاضة فلسطينية بقبول واسع، إذا فشلت محاولة الدولة، أو إذا نجحت من دون إحداث أي تغيير مهم على الأرض. لكن على الرغم من الخروقات التي وقعت على الحدود أخيرا، ووجود جيوب للمقاومة لا سيما في القدس الشرقية، فإن مؤشرات تسخين الأجواء تبدو محدودة.
اهتمامات
في مسح أجرته مؤسسة أميركية أخيرا، تبين أن أولى اهتمامات الفلسطينيين الحصول على الوظائف والعناية الصحية ونقص المياه والتعليم، في حين جاءت الاحتجاجات الشعبية ضد إسرائيل وحتى مفاوضات السلام، في مؤخرة أولوياتهم، وقد أيدت نسبة الثلثين الدخول في الدبلوماسية مع إسرائيل بدلا من العنف.
ينظر عادل أبو مريم في النتائج المحتملة للمحاولة الفلسطينية الحصول على الدولة وهو يهتم بدكانه، ويقول: «إذا كانت الولايات المتحدة على استعداد لإنجاحها، ستنجح، وإذا فشلت المحاولة قد يشعر الناس بالغضب لبضعة أيام، لكن الحياة ستستمر، ولم يعد لدينا القوة لإطلاق انتفاضة جديدة».
