على مدى السنوات الثلاث الأخيرة، كان المصور نور بهرام، يهرع إلى مواقع الضربات الجوية التي تشنها الطائرات الموجهة عن بعد، في مسقط رأسه وزيرستان. وكان هدفه من ذلك، تصوير تأثير تلك الصواريخ الموجهة عن بعد آلاف الأميال، من قواعد سلاح الجو الأميركي في نيفادا وأماكن أخرى، وتوثيقها في صور. وهذه الطائرات تشكل السلاح الأميركي الوحيد المستخدم للانقضاض على القاعدة وطالبان في تلك المنطقة، التي تعتبر من أكثر المناطق خطورة على وجه الأرض.
كان بهرام يصل أحيانا إلى مسرح الأحداث بعد دقائق معدودة من حصول الانفجار، الأمر الذي كان يتطلب منه وضع كاميرته جانبا، والبدء في الحفر بين الأنقاض للتأكد من وجود ناجين من عدمه، وعمله هذا كان محفوفاً بالخطر، حيث غالبا ما تقوم الطائرات بالإغارة على الموقع نفسه بعد لحظات من الضربة الأولى، لذا كان التفتيش عن الجرحى عملاً محفوفا بالمخاطر.
وكانت هناك أيضا مخاطر أخرى تواجه بهرام، فالمقاتلون والمحليون كانوا يحذرون ممن يحمل كاميرا في يديه، ذلك أن شبكة العملاء المحليين العاملين مع وكالة الاستخبارات الأميركية هي التي كانت توجه ضربات الطائرات.
لكن بهرام يقول إن عمله المضني كشف عن حقائق مهمة وغير مبلغ عنها، حول حملة الطائرات الأميركية في مناطق القبائل الباكستانية. فعدد المدنيين الذين يصابون أو يقتلون هناك يفوق بكثير ما تعترف به أميركا أو باكستان، كما أن الإعلام حول العالم يقوم بسرد سريع لعدد المقاتلين الذين قتلوا في كل غارة، إلا أن مراسليهم لا يتوجهون إلى مواقع الهجمات ويعتمدون فقط في مصادرهم على مسؤولي الاستخبارات الباكستانية.
ويعتقد بهرام أنه يفترض الذهاب إلى موقع الغارة ليتسنى معرفة هوية القتلى، أهم فعلا متطرفون أم أناس عاديون يعيشون في وزيرستان، وبالنسبة له فإن هذا الأمر لا يحتاج إلى دليل. يقول في هذا الصدد:
تحصد تلك الصواريخ مقاتلاً واحداً مقابل كل 10 إلى 15 مدنيا يقتلون جراء انفجارها مضيفا انه لا يحصى عدد القتلى من طالبان، بل عدد الأطفال والنساء والأناس الأبرياء الذين قتلوا.
وبحسب بهرام، فإن الضربات من قبل هذه الطائرات لا تقتل الأبرياء فحسب، وإنما تصيب أيضا أعدادا غير معروفة من الناس وتساهم في تجذير مشاعر السكان. يقول: تنتشر قطع اللحم الحي في مكان الضربات الجوية، ويقوم المحليون بتجميع اللحم المتناثر ويلعنون أميركا التي يتهمونها بقتلهم لمجرد كونهم مسلمون. ويضيف بهرام بقوله: يتحول الشباب في المنطقة المحيطة بمناطق الضربات الجوية إلى مخبولين، ويزداد الكره لدى كل من يشهد غارة بالطائرات الموجهة عن بعد، ويعتقد الأميركيون أن ضرباتهم بتلك الطائرات تعمل جيدا، لكن الضرر الذي تسببه كبير جدا.
وحتى عندما تصيب الضربات بالطائرات عن بعد المجمع الصحيح، فإن قوة الانفجار تهدم المنازل المجاورة المصنوعة في الغالب من الطين المخبوز، وتقضي على من في داخلها.
والصور لا تترك مجالا للشك بالقوة التدميرية لصاروخ هلفاير: هناك صور لفتى وقد فقد النصف الأعلى من رأسه، وهناك يد مقطوعة، وأشلاء متناثرة، وبيوت سويت بالأرض، وهناك صور لعائلات وقد قتلت مع أطفالها في الضربة الجوية.
ويوجد صورة لهيكل سيارة هو كل ما تبقى منها، وصورة أخرى تعرض جنازة طفل، وحذاء مصنوعا من المطاط يشير إلى وجود آثار حياة في المكان. وهناك صورة لطفل صغير في الطريق إلى مثواه الأخير وقد كللت امه شعره بالأزهار، لتشهد ربما على اللمسة الأخيرة لحنان أم مفجوعة.
وهناك صور لقرآن محروق وممزق، لكن لا صور لنساء: فالثقافة المحافظة في وزيرستان لا تسمح لبهرام بتصوير النساء، وحتى الموتى منهن والمقطعات إرباً، لذا قام بتصوير قطع ممزقة من ثيابهن.
إن التضاريس القاسية والمواقع المعزولة لمواقع الضربات ومنع التجول ووجود طالبان، كل هذه الأمور تشكل تحديا رئيسيا أمام الوصول إلى موقع ضربة الطائرات.
ولقد تمكن بهرام من توثيق ستين ضربة في شمال وجنوب وزيرستان، ويقدر أنها حصدت حياة أكثر من 600 شخص.
وأعمال بهرام المعروضة الآن في غاليري بيكونزفيلد تعرض صورا من 27 ضربة جوية لطائرات موجهة عن بعد. وكان رئيس مؤسسة ربريف التي تدير الحملة ضد قتل المدنيين، كليف ستافورد سميث، قد أقام دعوى قضائية بالشراكة مع المحامي الباكستاني، شازاد أكبر، ضد كل من ثبتت مسؤوليته عن الوفيات بين المدنيين جراء ضربات الطائرات الموجهة عن بعد.
يقول ستافورد سميث: اعتقد أن هذه الصور هي أدلة مهمة إلى حد بعيد، وهي تضع وجها إنسانيا على حملة ضربات الطائرات الموجهة عن بعد، يختلف كثيرا عما تقوله أميركا ويضيف: إنها تظهر الحقيقة بأن الناس العاديين هم الذين يقتلون ويخسرون بيوتهم، وليس كبار أعضاء القاعدة.
وكانت الضربات الجوية بطائرات موجهة عن بعد قد تضاعفت بشكل كبير تحت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما. وبحسب مركز أبحاث نيو أميركا فونديشون في واشنطن، شهدت السنة الماضية أكبر عدد من الهجمات بتلك الطائرات، أي حوالي 118 ضربة جوية، في مقابل 45 في 2011.
