يعتبر الجفاف الذي يتلف الأراضي الشاسعة الممتدة من شمالي كينيا مرورا بالمناطق الوسطى من الصومال إلى شرق أثيوبيا، الأسوأ على الإطلاق في القرن الحادي والعشرين، وتبدو بعض المناطق أكثر جفافا مما كانت عليه عام 1951، حيث لم تهطل الأمطار منذ أكثر من سنة، في حين سجلت زخات مطر التي سقطت على بعض المناطق الأخرى معدلات تصل إلى نصف معدل الأمطار المتوقع هطولها.
وعلى الرغم من أن هناك ما يقارب 12 مليون شخص في حاجة ماسة للغذاء، فإن هذا الأمر رغم قساوته، يخفي حقيقة مفادها أنه باحتساب نسبة المصابين بالجفاف قياسا لمجموع السكان، فإن الوضع ليس عسيرا كما كان في أوائل التسعينات في القرن الماضي.
يقول وزير التنمية الدولية البريطاني أندرو ميتشل: " إن نسبة المصابين بسوء التغذية الحاد في أثيوبيا قد تقلصت إلى النصف، وهذا دليل على التقدم الهام الذي تم إحرازه" ويضيف:" نحن نعمل بسرعة لتخفيف أثر انعدام هطول الأمطار سنتين في بعض المناطق، وهذا أمر لا يتحمل مسؤوليته الناس المتضررون من الجفاف. لكن مقابل ذلك، هناك دليل واضح يشير إلى التقدم الذي تم إحرازه على صعيد تخفيف تأثير تلك الأزمات، حيث نسبة المتضررين من الجفاف في القرن الأفريقي هي أقل مما كانت عليه في السابق".
لكن الواقع يشير إلى وجود تزايد كبير في أعداد الناس المقيمين في المناطق المتأثرة بالجفاف، في ظل تفاقم مشكلة الأمطار. يقول عامل إغاثة في نيروبي: "ان الاكتظاظ السكاني المترافق مع زيادة في أعداد الماشية هو غالبا ما يشكل الحجم الأكبر في المشكلة، وهذا الأمر يخشى العديد من الناس التحدث عنه".
مشاريع أفريقية
أموال المساعدات الدولية المتزايدة، ومنها أموال مرسلة من بريطانيا، يجري إنفاقها على مشاريع لإعطاء النساء الإفريقيات حرية تنظيم النسل. ويشكل وجود مزيد من الأفواه لإطعامها في مقابل توفر غذاء أقل، احدى المشكلات الحسابية المزمنة في مجال المساعدات حول العالم. لكن حسبما يقول أحد مسؤولي المساعدات، فإنه نادر ما تحظى المناشدة من اجل الحصول على الأموال "في سبيل تمويل تفادي الكارثة، بدلا من وقف تطورها" على الاهتمام الكافي.
تقول كريستينا امارال رئيسة العمليات الطارئة في منظمة "فاو": "من الصعوبة بمكان الحصول على أموال لتمويل تلك المشاريع التي تمنع تطور تلك الأزمات، وبدلا من ذلك نجد أنفسنا مجبرين على المطالبة بأموال عندما تبدأ الأزمات".
وغالبا ما تكمن المشكلة في كيفية توسيع تلك الخطط المبدعة الصغيرة لتغطي شريحة أوسع من الناس، وهذا ما تدعوه وكالات الإغاثة "العمل بشكل متصاعد". وما تطمح إليه هذه الوكالات هو رؤية حكومات تلك الدول، التي يعتبر فيها الجفاف حقيقة قائمة على الدوام، تعمل على تبني هذه الأفكار وتكريسها في سياساتها الوطنية وسن قوانين خاصة بها.
وفي ظل الأوضاع الحالية، ليس هناك أمر أسهل من إلقاء اللوم على المساعدات الغذائية وفشلها في تهيئة الناس للكوارث التي تظهر تأثيراتها الآن، ولكن هذه المساعدات الدولية هي ضرورية فقط لان قادة إفريقيا لا يبدون مستعدين للقيام بتلك المهمة بأنفسهم.
ان الناتج المحلي الإجمالي لكل من كينيا وأثيوبيا، هو في حدود 18 مليار جنيه، على الرغم من اعتماد البلدين على الإيرادات من الزراعة المعتمدة على تقلبات الطقس وزراعة البساتين. وتزداد الضغوط الإنسانية والدبلوماسية على حكومتي البلدين في سبيل إعطاء حصة اكبر من هذه الأموال إلى الناس الأكثر تضررا من الجفاف، على الرغم من أن هؤلاء غالبا ما يعتبرون سياسيا الأكثر نبذا في كلا البلدين.
فإذا ما تم شق طريق جديد، يصل الغذاء الأسواق بكلفة أقل. وإذا ما جرى بناء مسلخ قريب من المكان الذي تسرح فيه الجمال والمواشي، فإن قيمتها تزداد على الفور. يقول ميتشل: "يمكن رؤية تقدم مهم وبالتحديد في المقاربات المعتمدة في كينيا وبالأخص في أثيوبيا". وهذا التقدم الذي ينبغي تسريعه ودعمه، يجب ان يستمر إذا ما اردنا تفادي مناشدات جديدة لإطعام الجائعين في أفريقيا.
نداء عاجل
وكانت منظمات خيرية بريطانية قد أطلقت نداء عاجلا لمواجهة أزمة الغذاء المستجدة في إفريقيا، وذلك على اثر إطلاق تحذير من احتمال انتشار المجاعة في أوساط ملايين الأشخاص بعد انقطاع هطول الأمطار في أجزاء من القرن الإفريقي.
وهذا النداء جاء نتيجة لتوقع حدوث أزمة هائلة تواجه كل من أثيوبيا والصومال وكينيا. يقول جاين كوكينغ مدير المساعدات الإنسانية في منظمة "أوكسفام": "إنها أسوأ أزمة غذاء في القرن الحادي والعشرين، ونحن قلقون جدا من أن أعدادا كبيرة من الأرواح قد تقضي نتيجة للمجاعة". وكانت أوكسفام قد طالبت بـ 50 مليون جنيه من أموال المساعدات لإنقاذ 3 ملايين إنسان في حاجة ماسة للمياه النظيفة والغذاء ومرافق الصرف الصحي الأساسية.
وتواجه أثيوبيا أسوأ أزمه غذائية منذ حوالي عقد من الزمن، وهناك 3.2 ملايين شخص بحاجة إلى مساعدات طارئة، وكان الألوف منهم يتوافدون إلى المخيمات في كينيا عابرين الحدود من الصومال التي تمزقها الحروب.
وبعد إطلاق منظمات الإغاثة وصفا للجفاف بانه "أسوأ جفاف منذ 60 عاما"، تعهدت الحكومة البريطانية بتقديم 38 مليون جنيه إضافية من المساعدات الغذائية. وقد أوضح ميتشل بأن الأموال سوف توزع من خلال برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، وستكون كافية لإطعام 1.3 مليون شخص لمدة ثلاثة اشهر، وستساعد ما مجموعه 329 الف طفل وأم يعانون من سوء التغذية. وأضاف إن فصلا جافا يصاحبه ارتفاع في أسعار الغذاء قد أدى إلى نقص حاد في الغذاء في أجزاء عدة من جيبوتي وأثيوبيا وكينيا والصومال وأوغندا. وناشد المجتمع الدولي تامين "إغاثة سريعة وفعالة".
اختلاف في الأنماط
وكان المطلعون قد اقروا بوجود اختلاف كبير في أنماط هطول الأمطار في المنطقة في السنوات الأخيرة، لكنهم أفادوا بأن الأوضاع بالإجمال هي اقل سوءا بكثير من حالات المجاعة الكارثية التي شهدتها أثيوبيا في منتصف الثمانينات والصومال خلال عامي 1991-1992.
ويقول أحد موظفي الإغاثة في "أوكسفام":" المجاعة لديها معايير واضحة يجب تلبيتها لتصنف كمجاعة، لكن الناس حاليا يتحدثون عن احتمال تحول الأوضاع إلى مجاعة، وهذا يشير إلى مدى خطورة الأوضاع، وبالفعل فإن معدلات سوء التغذية تشكل صدمة كبيرة لنا".
وهناك خبراء إقليميون تنتابهم الشكوك بخصوص المزاعم بوجود أزمة إقليمية حادة. يقول أحد المزارعين الكينيين: "كان لدينا أحد اكثر المواسم هطولا للأمطار في السنوات الأخيرة، لكن منظمات الإغاثة والى جانبها الحكومات الفاسدة يصعدون الموقف في سبيل جمع التبرعات، مضيفا انه لا ينكر وجود أناس في أوضاع سيئة، لكن هؤلاء موجودون دوما، وأسباب وجودهم لا تعود للمجاعة بل للصراعات المسلحة وسوء الإدارة."
ويقول أحد المعلقين الصحافيين البريطانيين، ان ظهور اسم كينيا على لائحة الدول التي تواجه أسوا أزمة غذاء في القرن الحادي والعشرين يثير التساؤلات، فهذه البلاد هي المقصد المفضل للسياح البريطانيين الأثرياء، أما عاصمتها نيروبي فهي احدى المدن المزدهرة في إفريقيا حيث تمتلئ بفنادق الخمس نجوم والمقاهي وأماكن السهر المتعددة، وحيث يتمتع الأجانب فيها بالحياة الرغيدة، فالغذاء متوفر، وعمال الإغاثة هم الزبائن المفضلون لتلك الفنادق والمقاهي لسخرية القدر.
لكنه يشير إلى وجود تفاوت كبير بين الأغنياء والفقراء، إلى جانب فروقات كبيرة بين المناطق المختلفة، على الرغم من استهجانه وجود مجاعة على الطريقة الأثيوبية، فكينيا من وجهة نظره ليست قادرة على إطعام سكانها وحسب، وإنما أيضا ألوف اللاجئين الهاربين من الصومال المجاورة. لكنه يرى استعدادا سياسيا محدودا للقيام بذلك، وذلك بسبب جملة من العوامل التاريخية والأثنية المعقدة، إلى جانب وجود من يقوم بسد الفجوة لاسيما الأمم المتحدة بدعم من دافعي الضرائب الغربيين وعمال الإغاثة.
ويضيف بقوله إن القبائل المهيمنة على الحكومة "ليو وكيكويو" لا تتعاطف مع رعاة الجمال والنعاج المهمشين كليا على حدودها، لا سيما وأنها تستطيع كسب الكثير من خلال تصدير الغذاء إلى المستهلكين البريطانيين وباقي الدول الأوروبية.
ويتم يوميا تصدير أكثر من 135 طنا من الأزهار والخضار من كينيا إلى المتاجر البريطانية، ومعظمها ينقل جوا، وقد شكلت بريطانيا في السنة الماضية اكبر سوق مستورد من كينيا بما يعادل 360 مليون جنيه إسترليني، وتشكل الزهور التي تحتاج زراعتها الكثير من المياه السلعة الأكثر تصديرا من كينيا، حيث لا احد يتحدث عن أزمة في هذه التجارة.
