ينظر مديرو المؤسسة الإعلامية الأميركية العملاقة "نيوز كورب" ومستثمروها إلى ما يحصل في لندن، كوباء في الأصقاع البعيدة من الإمبراطورية، وكان همهم الرئيسي عزل باقي جسم المؤسسة كي لا يصاب بالعدوى.
وبدأ هذا الأمر شديد الأهمية في أميركا، حيث ممتلكات الشركة في المجال الإعلامي تكسبها أرباحا بمليارات الدولارات، وتكسبها نفوذا سياسيا كبيرا.
لكن مهمة العزل تلك لم تنجح، فالمخاوف من أن يكون التنصت على المكالمات قد حصل في الولايات المتحدة قد فتح المجال واسعا أمام السياسيين لكي يطالبوا وزارة العدل الأميركية و"لجنة الأوراق المالية والصرف" بالتحقيق مع "نيوز كورب" والتدقيق في عملها، كما بدأ مكتب التحقيق الفيدرالي بالتحقيق في عمل الشركة أيضا.
وكانت الفضيحة قد أبرزت الخلاف الدائر على مستقبل الإمبراطورية الأميركية داخل الشركة المدرجة في بورصة نيويورك "نيوز كورب". وهذا الخلاف يضع مصالح التلفزيون المربحة وجها لوجه مع صناعة النشر المتراجعة. كذلك أظهرت الفضيحة مخاوف بعض المستثمرين من قيام أحد أبناء مردوخ باستلامها دون ان يكون مناسبا للمهمة الملقاة على عاتقه.
كما فتحت المجال أمام معارضي مردوخ في الولايات المتحدة، وبالأخص معارضي "فوكس نيوز" لإثارة الشكوك حول مدى أهلية هذه المؤسسة الضخمة لتملك هذا القطاع الكبير من الإعلام الأميركي.
وفي نهاية المطاف قطعت الأزمة المحيط الأطلسي، بعد أن تبددت الآمال في أن يؤدي رحيل ربيكا بروكس إلى انحسار الغضب. واستهدفت أولى الإصابات في أميركا "لس هنتون" الرئيس التنفيذي لـ"داو جونز وشركاه"، الذي قدم استقالته وكان متورطا بقوة في إدارة "نيوز انترناشيونال" في الفترة التي جرت فيها عملية التنصت على الهواتف. وشكلت استقالته خسارة كبيرة لمردوخ، فقد عمل الاثنان معا لأكثر من نصف قرن، ويظهر انقطاع حبل الوصل بينهما حجم الضرر الحاصل، وما هو موجود على المحك.
أما الشخص التالي في مرمى النيران فهو جيمس مردوخ، نجل روبرت مردوخ والوريث المفترض لعرش "نيوز كورب"، لكن يقول أستاذ الصحافة في ليهاي ببنسلفانيا جاك لولي إنه إذا ما وجد مكتب التحقيق الفيدرالي شبهة ما بحق المؤسسة، فإن مجمل أوضاعها ستشهد تغييرا، حيث قد تطال الأزمة روبرت مردوخ نفسه.
وبالنسبة للمساهمين المتخوفين الذين رأوا قيمة استثماراتهم تخسر مئات ملايين الدولارات أخيرا، فلم تعد طريقة إدارة الشركة تناسبهم. وفي سبيل تهدئة مخاوفهم قام مردوخ أخيرا بضخ مليارات الدولارات في مشروع إعادة شراء للأسهم بهدف استعادة الاستقرار لقيمتها المتراجعة.
لكن حتى لو أدت خطوة مردوخ الأخيرة إلى وقف تراجع السهم، فان هذا لن يوقف ازدياد قوة ونفوذ بعض الشخصيات من خارج العائلة في الشركة. وأحد هؤلاء هو تشايس كاري الرئيس التنفيذي للعمليات، والذي انتقل إلى الشركة في 2009 من مجال التلفزيون الفضائي. أما الآخر فهو روجر ايلز بعبع الليبرالية في "فوكس نيوز".
ففي الوقت الذي كانت صحف مردوخ البريطانية تخسر سلطتها السياسية وسط مزاعم حول الغش، كانت "فوكس نيوز" بقيادة أيلز تكسب نفوذا كبيرا.
ويعتقد بعض الخبراء أن المبالغ التي قدمتها "نيوز انترناشيونال" إلى الشرطة في بريطانيا قد تقع تحت سلطة هذا القانون، كما يحقق مكتب التحقيقات الفيدرالي في عمليات تنصت على مكالمات ضحايا الحادي عشر من سبتمبر. يقول لولي: "إذا وجدت البعثة أي دليل إدانة في أميركا، فإن كثيرين سيضعون علامات استفهام حول مدى ملاءمة "نيوز كورب" لإدارة محطات تلفزة في أميركا".
لكن البعض يرى أن الضرر الذي لحق بسمعة "نيوز كورب" سيكلفها مئات الملايين من الدولارات في المستقبل. فحتى لو توقفت الأزمة في أميركا، فإن تبعات الأحداث الأخيرة تركت جرحا غائرا في إمبراطورية مردوخ في أميركا.
وفي ظل تلطيخ سمعتها قد لا تجد الشركة طريقها للنمو بسهولة كما في السابق. يقول لولي: "يتعين على مردوخ ان يقدم طلبا لأذونات وتراخيص لشركته، وهذه الشركة تلطخت سمعتها وستواجه مشكلات"، مؤكدا على أن قدرتها على التوسع قد تضررت كثيرا.
