كان أول تعليق مهم لقطب الإعلام روبرت مردوخ على فضيحة صحيفة "نيوز أوف ذا وورلد" هو في منتهى الغرابة، فالرجل البالغ من العمر 80 عاما، لم يبذل أي محاولة للاعتذار عن حادثة التنصت على هواتف العائلات المنكوبة، أو عن دفع أموال لضباط من الشرطة البريطانية أو عن إغلاق أكبر صحيفة مباعة في بريطانيا، بل كان جل اهتماماته الدفاع عن الشركة وكبار مسؤوليها، حيث قال: "الخراب الذي حل بالشركة ليس شيئا لن تشفى منه، ولدينا أعمال عظيمة طيبة السمعة في البلاد، وأعتقد أن ابني جيمس تصرف بأسرع ما يمكن، كما أن شركة "نيوز كورب"، وهي المجموعة الإعلامية الأميركية العملاقة والتي تملك "نيوز انترناشيونال" في بريطانيا، تعاملت مع الأزمة بشكل جيد".

وقد طرح تصريحه تساؤلات حول ملكاته العقلية، وما إذا كان قد أصبح طاعنا في السن. وكان رده على السؤال المتعلق بأولوياته حيال التعامل مع فضيحة التنصت على الهواتف، قد أثار موجة عارمة من الاستهجان، لاسيما عندما أجاب عن السؤال، وهو يشير إلى ربيكا بروكس، التي كانت حينها لا تزال الرئيس التنفيذي لـ"نيوز انترناشيونال": "إن أولوياتي ربيكا".

لكن تحت وطأة الضغوط الهائلة من السياسيين، والجمهور الغاضب، ووالدي الفتاة المقتولة ميلي داولر، والصحافة، تمت التضحية بربيكا في نهاية المطاف. ويصعب معرفة من كان وراء رحيل ربيكا، أهي ابنة روبرت مردوخ، إليزابيث، أم الأمير السعودي الوليد بن طلال الذي أدلى بتصريح أكد على ضرورة رحيلها إذا ما تم كشف علاقتها بالتنصت على المكالمات.

ومن الواضح أن دعم ابن طلال، وهو ثاني أكبر مستثمر في الشركة التي تقدر قيمتها الآن بحوالي 42 مليار دولار، بحصة توازي 7% من الأسهم، يشكل أمرا حساسا لسيطرة مردوخ وإشرافه على الشركة، حيث تملك العائلة 40% من حقوق التصويت. وكان سعر أسهم شركة "نيوز كورب" قد تراجع بشكل كبير مطيحا بملايين الدولارات أخيرا، عقب بيع مستثمرين أميركيين حصصهم بعد أن أخافتهم قضايا التحقيق مع مردوخ، ومواجهته لدعاوى في أميركا.

وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة العدل قد أفادا أن تحقيقا سيجري في مزاعم مواطنين أميركيين، مرتبطين بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، بأنهم كانوا ضحايا التنصت على هواتفهم. وفي الوقت نفسه تواجه "نيوز كورب" تحقيقات من قبل "لجنة الأوراق المالية الصرف" حول احتمال انتهاكها لقانون يمنع الشركات الأميركية من تقديم رشاوى لمسؤولين أجانب، في إطار قانون "ممارسات الفساد الخاص بالأجانب".

وكانت عائلة مردوخ وربيكا بروكس حديث الساعة منذ فترة قصيرة، بالنسبة للطبقة السياسية في بريطانيا. وخلال حفل صيفي أقامته عائلة مردوخ في مطعم أنيق في كنسينغتون، حضر مجموعة من الساسة الكبار بدءا من رئيس الوزراء ديفيد كاميرون إلى سامنتا كاميرون إلى أد بولز وإيفيت كوبر.

وكان روبرت ونجله جيمس واثقين من أن العرض الذي قدماه والبالغ 7 مليارات جنيه، لاستحواذ شبكة " بي سكاي بي للبث" سوف يمر على يد وزير الثقافة جيريمي هنت، وهذه الشركة كان يتوقع أن تجني حوالي مليار جنيه استرليني في السنة من الإيرادات. والآن فإن سهم "بي سكاي بي للبث" قد انهار على اثر بيع صناديق التحوط حصصها، كما أن جيمس مردوخ رئيس شركة "نيوز كورب" يواجه ضغوطا من المستثمرين الذين يشككون بطريقة تعامله مع قضية التنصت على الهواتف.

وهذه ليست المرة الأولى التي يضع فيها المستثمرون علامات استفهام حول استراتيجية مردوخ التجارية في السنوات الأخيرة، فهناك الاستثمار في شبكة التلفزيون "أي تي في"، والسعر المرتفع الثمن لشراء شبكة "مايسبايس" بـ580 مليون دولار والتي بيعت لاحقا مقابل 35 مليون دولار، والأموال لمجموعة "داو جونز وشركاه" و لشركة "شاين" للإنتاج التلفزيوني التي تملكها ابنته إليزابيث مردوخ. وكان المساهمون قد زعموا أن مردوخ دفع أكثر مما يجب إما بسبب غروره، أو لسوء تقديره قيمة الأصول التي كان يشتريها.

وفي كلتا الحالتين، أدى الأمر إلى بروز مستثمرين مستائين في أميركا يقولون إن مردوخ قد أصبح عامل مخاطرة، فتراجعت اسهم "نيوز كورب" بالمقارنة مع منافسيها في مجال الإعلام. ويواجه روبرت مردوخ ونجله جيمس الآن إجراءات قانونية من مساهمين، بسبب مسؤوليتهما في قضية التنصت على الهواتف.

وعلى الرغم من فقدان روبرت مردوخ زمام السيطرة نسبيا، إلا ان الدلائل تشير إلى وجود داعمين له. وقامت عائلة مردوخ أخيرا، بتعيين شركة العلاقات العامة "أدلمان" لاستعادة سمعتها الطيبة، وتبع ذلك إقرار روبرت مردوخ بالخطأ ونشر موجة إعلانات في الصحف البريطانية.

وكان اعتذاره مسرفا على كل ما حصل في صحيفة "نيوز أوف ذا وورلد"، وقد قدم اعتذارا شخصيا لعائلة داولر، قائلا إن المقاييس التي اتبعتها صحفه لم تكن لتسر والدته التي لا تزال على قيد الحياة، أو حتى والده رجل الصحافة. وقد أثارت ملاحظاته الاستغراب، وأظهرت قوة نفوذ وروابط مردوخ العائلية.

ويبقى على المؤرخين أن يحكموا على مقدار تأثير روبرت مردوخ على الجسم السياسي في بريطانيا. وإلى أن تنجلي الأمور، يناسب مردوخ القول الذي أغدقه كلارندون على كرومويل: "إنه رجل سيئ عظيم، ونخطئ إذا ناقشنا عظمته، تماما كما نخطئ إذا ناقشنا سيئاته".