بعد الاضطرابات التي عطلت اليونان، وافق البرلمان اليوناني على خطة التقشف الحكومية، لكن العديد من المحللين يرون ان الكلمة الاخيرة لن تكون هذه المرة للحكومة أو الاحزاب المعارضة، بل لحركة الغضب الشعبية المتصاعدة، كما يشير العديد منهم إلى أهمية الدور الأوروبي في حل الأزمة اليونانية، ويؤمل أن
يتوصل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيسة الوزراء الألمانية أنجيلا ميركل، إلى خطة أخرى لإعادة جدولة الديون اليونانية، أو ليت دافعي الضرائب البريطانيون يقدمون المزيد لصندوق الإنقاذ، عندئذ ربما يمكن إنقاذ اليونانيين.
وكل ما يحتاجه الأمر هو أن تنهي الحكومة اليونانية خدمة بضعة ألوف من عمال القطاع العام، وتقلص معاشات تقاعدهم وتجني بعض المنافع، وتجمع بعض الضرائب، عندئذ قد تتلاشى المشكلة. بل ليت اليونانيين يستطيعون تبني ذاك الإيمان الاسكندنافي الراسخ في الحكومة وتلك التقاليد الألمانية العريقة في الصناعة والادخار، ربما يمكن حينئذ تفادي الكارثة. وكل ما يحتاجه الأمر بحسب النخبة الأوروبية هو اسكتشاف حكومة الرئيس اليوناني جورج باباندريو، للحماس التاتشري الذي يوحي لها ببيع كل الأصول اليونانية.
والمشكلة هي أن إجراءات التقشف اليونانية تجعل الاقتصاد في وضع أسوأ. والبطالة الآن رسميا تتراوح في حدود 16% على الرغم من أن معدل البطالة لمن هم ما دون 25 سنة يقترب من 40%. والإنتاجية تتعرض للسحق تحت وطأة الإضرابات وحالة عدم الاستقرار، والدين اليوم أكثر من 160% من الناتج المحلي الإجمالي بالمقارنة مع 60% في بريطانيا.
وبكلمات أخرى فإن أزمة الديون اليونانية تزداد عمقا، ويوجد هناك خياران فقط لمعالجة الأزمة. يمكن الاستمرار في الطريق الذي تمضي به الأمور، بحيث تصبح كوارث اليورو محركا خفيا لإيجاد حكومة اقتصادية لأوروبا. وبالطبع، شكلت الأزمة الكارثية التي تتحرك ببطء في البرتغال وايرلندا واليونان وإسبانيا، واقعا رائعا لقضية الفيدرالية.
وتدريجيا، يبدو أن اتحادا ماليا قد تحقق إلى جانب الاتحاد النقدي، حيث تتوفر أموال ضخمة، بما في ذلك حوالي 20 مليار جنيه من النقود البريطانية المخصصة للإنقاذ، يجري نقلها من الأجزاء الأغنى إلى الأجزاء الأفقر من أوروبا. والفكرة وراء ذلك هي انه يتعين على ألمانيا وفرنسا وغيرها المشاركة اجتماعيا في ديون الدول الأطراف، أي أخذها على عاتقها، في سبيل الإبقاء على منطقة اليورو متماسكة، مع كل الضرر الذي قد تسببه هذه الأزمة على النظام المصرفي الأوروبي.
ويتعين على الدول المسرفة والمبذرة بالمقابل، الخضوع لنوع من التقشف والإشراف الاقتصادي كالذي يجري اقتراحه بالنسبة لليونان. فالضرائب، الإنفاق، المنافع وكل بهرجة الاستقلال الاقتصادي سوف تكون خاضعة للاتفاق مع برلين وبروكسل.
ربما يكون بعض القادة الألمان والفرنسيين قد اعتقدوا أنهم بذلك يحققون الوحدة النقدية، فاليورو يتسبب بمشكلات ضاغطة على الدول الأعضاء، بحيث يصبح من المستحيل مقاومة وضعية فرض الأمر الواقع بالنسبة للولايات المتحدة على أوروبا، لكن هناك مشكلة عدم وجود وصاية ديمقراطية على أي شيء من هذا القبيل.
وتصرح ميركل باستمرار بأن الشعب الألماني لو علم بأنه سوف يصبح ضامنا للديون اليونانية، لرفض عملية الانضمام لليورو، وكذلك اليونانيون فإنهم لو علموا بأن انضمامهم يعني الاستسلام الكامل لاستقلالهم الاقتصادي لرفضوا الانضمام. أما بالنسبة لدافعي الضرائب البريطانيين، فلم يعتقد هؤلاء بأن شرط العضوية للاتحاد الأوروبي يتطلب دفع مليارات من الأموال لافتداء اليورو. ولسنوات خلت، كانت الحكومات الأوروبية تقول انه من الجنون أن تنسحب دولة من منطقة اليورو. لكن هذا الخيار بات الآن حتميا، وكلما جرى تسريعه كانت الأمور أفضل.
كانت هناك عيوب في النظام الدولي سمحت للبلدان التي تنفق أكثر بالاستفادة من الفوائد المنخفضة، وكانت هناك غطرسة، حيث ساد الاعتقاد بأن الأزمنة السعيدة لن تنتهي، وجاء الانتقام ممثلا بهذه الكارثة. ونحتاج اليوم إلى الإقرار بأن اليونان ستكون بوضع أفضل في ظل حالة من التحرر تسمح لها بصياغة هوية اقتصادية جديدة و(دراخما) جديدة.
