وصف حلف شمالي الأطلسي بأنه "الحلف الأكثر نجاحا في التاريخ" بنهاية الحرب الباردة، حيث استطاع ردع الجيش الأحمر عن اجتياح برلين على مدى 40 سنة. لكن، أخيرا، قال وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس في زيارته الوداعية أمام حشد مذهول في بروكسل إن "ناتو" يواجه "عسكرة جماعية لا معنى لها"، "فالتحالف العسكري الأكثر جبروتا في التاريخ هو في الأسبوع الحادي عشر من عملية ضد نظام ضعيف التسلح في بلد غير مكتظ بالسكان، وقد بدأت تنفد الذخائر من عدد من الحلفاء ويطالبون الولايات المتحدة للمرة الثانية بتعويض الفارق".
نفاد الصبر
إن صبر غيتس مع الأوروبيين يكاد ينفد. فبعد عقدين من تفكك الاتحاد السوفياتي وعودة الجيش الأحمر إلى مواقعه لا تزال أميركا تتحمل 75% من ميزانية "ناتو" للدفاع عن أوروبا. وينفق خمسة أعضاء فقط من أصل 28 عضوا على الدفاع ما نسبته 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحسب لوائح "ناتو". ومن الأعضاء الرئيسيين هناك بلدان مثل هولندا وإسبانيا وتركيا ترفض توجيه ضربات جوية في ليبيا. أما فرنسا وبريطانيا فقد نفدت منهما الذخيرة بحيث اضطرا للاستدانة من ذخائر الولايات المتحدة.
وألمانيا وبولندا غائبتان من دون إجازة. وعلى الرغم من وجود قيادة عمليات جوية قادرة على التعامل مع 300 طلعة جوية في اليوم، فإن الحلفاء يصارعون بوضع نصف هذا العدد في الجو. والى جانب تمارض أوروبا، هناك سببان آخران وراء وجود "ناتو" في ورطة حاليا، أولها الأزمة المالية وثانيها التغيرات الجارية في الولايات المتحدة. ولقد أشار غيتس إلى هذين السببين حين قال: "الوقائع تتغير في أميركا والخيارات ستميل اكثر نحو المصالح الأهم للولايات المتحدة".
ومع انضمام المحافظين الجمهوريين إلى الديمقراطيين في الكونغرس في سعيهم لوقف الأموال عن الحرب الليبية، فإن جون بوهنر قد أجبر على تزعم الاتهامات الموجهة ضد الرئيس الأميركي باراك أوباما، بانتهاك قانون سلطات الحرب، ودعاه للمجيء إلى الكونغرس للحصول على تفويض يسمح له بالمشاركة الأمريكية في الحرب الليبية. والمعروف أنه إذا ما انسحب الأميركيون، فإن "ناتو" سيخسر.
نقاش جمهوري
إن النقاش الجمهوري الأول في نيو هامشير كان مفاجئا بنبرته المعادية للتدخل. وفي الوقت الذي قال المرشح الأوفر حظا مت رومني إنه سوف يستمع للجنرالات لتبيان توقيت آمن للخروج من أفغانستان، فإنه تحدث أيضا ضد أي حروب جديدة لكسب الاستقلال لدول غير حيوية للولايات المتحدة. وهذا الموقف ينبع من تقليد للسناتور الجمهوري الراحل روبرت تافت، الذي قال إن أميركا لا تخوض حروب الآخرين أو تدفع فواتير الدول الأخرى. أما مايكل بوكانان، فقد وصف ليبيا بأنها غلطة استراتيجية، قائلا إنه لم تكن هناك أي مصالح حيوية لأميركا معرضة للخطر.
وقد قرع هذا النقاش جرس الإنذار بالنسبة للمحافظين الجدد، فالأيام التي كان فيها المحافظون يقفون لتحية رئيس الأركان وهو يأمر بقصف الدول، يبدو أنها شارفت على نهايتها. من أفغانستان إلى العراق وباكستان وليبيا، فإن شهية المحافظين للتدخل قد اتخمت.
وهناك أسباب أخرى لهذا التردد الجديد في استخدام القوة العسكرية الأميركية، وهذه الأسباب تستند إلى تجارب مؤلمة. أولا ما يسمى النكسة، أي الارتداد الحتمي لضربة السوط والتي تأتي حتى بعد الأفعال المفيدة. وكان إرسال الرئيس الأميركي باراك أوباما لفريق عسكري في تلك المهمة السرية لقتل أسامة بن لادن قد أدى إلى إزعاج الجيش الباكستاني كثيرا وقائده المؤيد للأميركيين الجنرال اشفق برويز كياني، والذي يمكن أن يجرى استبداله لإحلال ضباط معادين للولايات المتحدة محله.
ثانيا، في الوقت الذي اظهر الجيش الأميركي قدرته على إسقاط الأنظمة، فإنه قد برهن أيضا على قدرة أضعف على تأسيس حكومات بديلة قوية ومستقرة ومؤيدة لأميركا. ومن هنا، فإن الولايات المتحدة ليومنا هذا لم تنجح في مهمة بناء الأمم على الرغم من استثمار مئات المليارات من الدولارات.
ثالثا، لقد ضاق الأميركيون ذرعا بالمستفيدين المحليين والأجانب من حروبهم.
