لماذا لا تزال بريطانيا تخوض الحرب؟ لأنها على ما يبدو غير قادرة على التوقف، وتجد أعذارا لهذا التململ ما بعد الإمبريالي وتنقاد إلى الفخ. وهذا ما لا يفعله الألمان ولا الإسبان ولا السويديون. إن الحدود البريطانية لم تتعرض لأي تهديد جدي منذ جيل تقريبا، لكن القادة البريطانيين متشوقون للمعارك، لماذا؟

جاء الجواب عن هذا التساؤل أخيرا على لسان وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، ولم يكن مريحا، حيث وبخ غيتس أوروبا لما اعتبره "فشل في الإرادة السياسية" بعدم الحفاظ على الإنفاق الدفاعي، قائلا إن "ناتو" هو "حلف بمستويين" بين أولئك الذين على استعداد لشن الحرب وبين الذين يتخصصون في التنمية الإنسانية "الناعمة" وحفظ السلام ومهام التحدث والكلام"، وكأنه يقول إن الذين ينشدون السلام هم ضمنيا الواهنون، أما الرجال الحقيقيون فهم أولئك الذين يشترون القنابل.

 

صدى مقبول

وهذا النداء لاقى صدى عند الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "ناتو" اندرس فوغ راسموسن، الذي أشار إلى عدم الإنصاف بأن يكون الاستثمار الأميركي الدفاعي يشكل 75% من الإنفاق الدفاعي للحلف، فيما كان يشكل في الماضي 50% فقط. أراد راسموسن بعد أن أجبر على توسيع حربه على ليبيا لمدة ثلاثة اشهر إضافية، رؤية حكومات أوروبا تأتي بالمزيد من الأموال من دون أي كلام فارغ عن الركود، فالدفاع بالنسبة له لا يقاس بالأمن بل بالإنفاق.

وهذا النداء أعيد تكراره في بريطانيا من قبل قائد البحرية سير مارك ستانهوب، قبل أن يرد عليه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بتحذيره من أن حربا متطاولة في ليبيا ستعني "قرارات صعبة حول الأولويات". لقد استخدمت البحرية البريطانية صواريخ توما هوك بقيمة 500 الف جنيه إسترليني في محاولة لضرب القذافي، وتحتاج إلى المزيد من الأموال، وبضغط منسق من اللوبي الدفاعي، فإن رئيس سلاح الجو الملكي البريطاني طالب أيضا "بزيادة كبيرة في الإنفاق بعد عام 2015".

وكان السفير الروسي إلى "ناتو" قد حذر من أن بريطانيا وفرنسا "ستنجران إلى عملية على الأرض في ليبيا في نهاية المطاف". وهذا ما يريده اللوبي الدفاعي أصلا، على الرغم من أن معركة على الأرض تخيف الجنرالات.

ليست الديمقراطية هي ما يبقي الدول الغربية في حالة الحرب، بل الأسلحة والمصالح التي تتجمهر وراءها. إن الخطاب الأكثر أهمية حول الدفاع اطلقه الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور في عام 1961. وايزنهاور لم يكن ينتمي إلى الجناح اليساري، بل كان جنرالا سابقا وجمهوريا محافظا. ورسالته الوداعية لأميركا كانت عبارة عن تحذير من "النمو الكارثي للقوة في غير مكانها" للمجمع الصناعي العسكري و"نفوذه على الحكومة".

فمؤسسة دفاعية مزدهرة بدعم من مصالح شركات ضخمة ستفسد النظام السياسي، حتى أن مسودته الأصلية تشير إلى "مجمع عسكري- صناعي برلماني". وهذا اللوبي حسبما يقول ايزنهاور، سوف يصبح من الضخامة بحيث "يهدد حرياتنا ومسارنا الديمقراطي".

 

تهديد أمني

اليوم زادت أعداد القوات العسكرية الأميركية إلى 5 ملايين رجل. أما الدول الغربية فإنها تواجه تهديدا لأمنها اقل من أي وقت مضى في تاريخها، لكن صناعاتها الدفاعية تطالب بالمزيد من الأموال اكثر فاكثر. كتب أحد استراتيجي الحرب الباردة، جورج كانان، يقول يوما: "إذا ما غرق الاتحاد السوفياتي غدًا تحت مياه المحيط، فان المجمع الصناعي العسكري يجب ان يبقى من دون أي تغيير جوهري، إلى ان يجري إيجاد خصم جديد".

إن المبعوث الخاص البريطاني السابق إلى كابول، شرارد كوبركولز يردد صدى كانان في الزعم بأن سعي الجيش للحرب في هلمند هو بسبب مصلحة خاصة به. لا يوجد مبرر دفاعي استراتيجي لكي تنفق الولايات المتحدة 5.5% أو بريطانيا 2.5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، ولا حتى "ناتو" 2% من ميزانيته.

وهذه الأرقام إنما تعمل على إضفاء الطابع الرسمي على التزامات أو مصالح قائمة. بنهاية الحرب الباردة، قام الجنود باختراع صراعات جديدة، هي عبارة عن حروب متنوعة على الإرهاب والمخدرات والقرصنة والتجسس على الأنترنت وغيرها، ولم تحقق أي من هذه الحروب فوزا، لكن جميعها بحاجة إلى أدوات. ولقد حققت الحرب على الإرهاب مخاوف أيزنهاور، حيث غرقت أميركا في مستنقع من الخطف والتعذيب والسجن من دون محاكمات.

إن الموقف الحربي للولايات المتحدة وبريطانيا حيال العالم الإسلامي قد غذى العداء، أما التهديد في المقابل فهو محدود النطاق، وقصف أهداف متطرفة في باكستان يشكل دعوة للإرهابيين لاستهدافنا، ومن ثم المطالبة بدفاع ضد هذه الهجمات. وفي تلك الأثناء، فان الكلفة البديلة لاسترضاء هذا المجمع هي كلفة هائلة.

مقابل كل صاروخ توما هوك لكاميرون على طرابلس هناك مستشفى وغرف دراسة في بريطانيا لم يجر بناؤها.

وطالما أن هناك "دفاعا قويا" فإن تحريض السياسيين على استخدامه واقع قائم. إنها عودة إلى حرب الثلاثمئة عام، عندما قام البارونات والفرسان المتسلحين القابضين على الملكية، بالمطالبة بالمزيد من الضرائب للتسلح واعدين بنصر عظيم.

وهكذا فقدت وزارة الدفاع البريطانية السيطرة على الخزانة تحت حكم العمال. ويوجد هناك خبر جيد واحد. لقد بقي "ناتو" بالرغم من أن الغرض من أقامته قد انتهى، وبالتالي، فإنه يبرر وجوده بقدرته على حث أعضائه على الإنفاق وبإيجاد حروب لا صلة لها بأهدافه.

وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا ينفق بما يكفي بالنسبة لوزير الدفاع الأميركي. وفي ثورة غضبه، هدد غيتس بأن "زعماء أميركا المقبلون قد لا يجدون أن مردود الاستثمار الأميركي في "ناتو" يوازي الكلفة". وهل هذا تهديد أم وعد يبشر بالخير؟