كان معدل النمو الاقتصادي في الهند الآخذ في التزايد باضطراد أخيرا في حدود 8% سنويا، ومن المتوقع أن يبلغ 9% هذه السنة، وهناك توقعات كثيرة حول الهند وما إذا كان بإمكانها اللحاق أو حتى تجاوز الصين التي تحقق معدلات نمو تفوق نسبة 10%.

وعلى الرغم من الانفعال الواضح الذي يثيره هذا الموضوع في الهند والخارج، فإن من السخافة أن يكون هناك هوس حول تخطي الهند معدل النمو الصيني في الناتج القومي الإجمالي، بمعزل عن مقارنة مؤشرات البلدين في مجالات أخرى، مثل التعليم والصحة الأساسية أو متوسط العمر المتوقع للفرد. وبالتأكيد يمكن أن يساعد النمو الاقتصادي بشكل هائل في تحسين مستويات المعيشة ومحاربة الفقر، ولكن ليس مفيداً الأخذ بمعدل النمو كهدف بحد ذاته، بدلاً من النظر إليه كوسيلة مهمة لتحقيق الأشياء التي لها قيمة بنظرنا.

 

النقطة الرئيسية

إن النقطة الرئيسية التي علينا أن نأخذها بعين الاعتبار هنا هي أن النمو الاقتصادي أمر مهم لتحسين الظروف المعيشية، لكن تأثيره يعتمد بشكل كبير على ماذا ستفعله الحكومات بالإيرادات العامة المتولدة من هذا النمو الاقتصادي.

إن نمو الناتج المحلي الإجمالي قد ساعد بالتأكيد الصين في تخفيض المؤشرات العديدة للفقر والحرمان، وفي توسيع المزايا المختلفة لنوعية الحياة.

ماذا عن الصحة؟ إن معدل الوفيات بين الأطفال ما دون الخامسة هو 66 بالألف في الهند مقارنة بنسبة 52 في بنغلاديش، وفي ما يخص متوسط الوفيات الرضع فإن لبنغلاديش ميزة مماثلة. وفيما 94% من أطفال بنغلاديش ملقمون باللقاح الثلاثي فان 66% من أطفال الهند هم كذلك. وفي كل هذه المزايا، فان بنغلاديش هي أفضل من الهند على الرغم من استئثارها فقط بنصف دخل الفرد من الناتج المحلي الذي تتمتع به الهند.

بالطبع، ان الظروف المعيشية في بنغلاديش سوف تستفيد بشكل كبير من نمو اقتصادي أعلى، بالتحديد إذا ما استخدم هذا النمو كوسيلة للقيام بأمور جيدة بدلاً من معاملته كهدف بحد ذاته. ويسجل لصالح بنغلاديش بشكل كبير انه بالرغم من عثرة الدخل المتدني إلا أنها استطاعت ان تنجز الكثير وبهذه السرعة. وقد ساهم نشاط المؤسسات غير الحكومية في بنغلاديش في مجال القروض الصغيرة (مثل بنك غرامين و«بي أر أي سي») إلى جانب السياسات العامة للحكومة في تحقيق هذه النتيجة. لكن دخلا مرتفعا سوف يحسن بالتأكيد من قدرة بنغلاديش لتحقيق حياة أفضل لسكانها.

إن من الأشياء الإيجابية للنمو الاقتصادي أنه يولد مصادر عامة يمكن ان تكرسها الحكومة لأولوياتها. وفي الواقع، فان الموارد العامة غالبا ما تنمو أسرع من الناتج القومي الإجمالي. فإيرادات الضرائب الإجمالية على سبيل المثال لحكومة الهند (بعد تصحيحها باحتساب التضخم) هي الآن أكثر من أربع مرات مما كانت عليه منذ 20 سنة خلال الفترة 1990-1991، وهذه قفزة اكبر بكثير من الناتج القومي الإجمالي المصحح أيضا باحتساب التضخم.

إن الإنفاق على ما يدعى بشكل مضلل "القطاع الاجتماعي" أي الصحة والتعليم والغذاء الخ.. قد ارتفع بالتأكيد في الهند. ومع ذلك، فالهند ما زالت وراء الصين بأشواط في العديد من المجالات. على سبيل المثال، فإن الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية في الصين هو تقريبا خمس مرات أكثر مما هو في الهند، وطبعا فالصين لديها عدد سكان اكبر، ونصيب الفرد في الدخل فيها أعلى، مما في الهند ، لكن حتى باحتسابها نسبياً، فإن الحكومة الصينية تنفق حوالي 2% من الناتج القومي على الرعاية الصحية، في مقابل نسبة 1.1% في الهند.

إن إحدى نتائج هذا على قطاع الرعاية الصحية في الهند هو اعتماد أعداد كبيرة من الفقراء على أطباء في القطاع الخاص، والعديد منهم ليس لديه إلا القليل من التدريب الطبي. وهناك احتمال كبير أن يعتمد أطباء مزعومون الخداع والتزوير.

وعندما ندرس تأثير النمو الاقتصادي على حياة الناس، فإن المقارنات تميل لصالح الصين أكثر مما هي لصالح الهند. لكن هناك مجالات عدة حيث المقارنات بين البلدين لا صلة لها بالنمو الاقتصادي بأي حال من الأحوال.

 

تأثير الديمقراطية

يعجب عدد من الهنود كثيراً بالبنية الديمقراطية لبلادهم، بما في ذلك أحزابها السياسية المتعددة وانتخاباتها الحرة المنظمة وإعلامها غير المراقب وحرية التعبير لديها ومكانة القضاء المستقلة وغيرها من مميزات الديمقراطية الحية. وهؤلاء الهنود الذي ينتقدون الهفوات الخطيرة في هذه الإجراءات (وأنا بالتأكيد واحد منهم) يمكنهم أيضا الأخذ بالاعتبار ما استطاعت الهند تحقيقه في المحافظة على الديمقراطية، على نقيض العديد من البلدان بما في ذلك الصين.

ليس فقط إمكانية النفاذ غير المراقب وغير المحدود إلى الانترنت، بل أيضا توافر العديد من وسائل الإعلام التي تقدم بشكل واسع وجهات نظر مختلفة، وهي غالبا تنتقد بشدة الحكومة، ويزداد توزيع الصحف يوميا في الهند أكثر من أي بلد في العالم، وقد ساعد النمو الاقتصادي في توافر الإذاعات والتلفزيونات عبر البلاد، بما في ذلك في المناطق الريفية والتي غالبا ما يشترك فيها أكثر من مستخدم.

ويوجد على الأقل 360 محطة تلفزيون مستقلة (والعديد منها يجري تأسيسها الآن بحسب التراخيص التي جرى إصدارها) حيث أكثر من 200 منها يركز على التغطية الإخبارية وبعضها على مدار الساعة. ويشكل هذا تناقضا حادا مع النظام الأحادي لبث الأخبار المسموح به في دولة الصين، حيث التنوع المحدود جدا.

وحرية التعبير لها قيمتها الخاصة كأداة ذات إمكانيات مهمة في السياسات الديمقراطية. حتى الفئات الأكثر فقرا بين السكان تريد المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية في الهند ويمكنها ذلك. وكذلك يبرز تناقض صارخ بين البلدين في مجال استخدام المحاكمات والعقاب بما في ذلك عقوبة الإعدام. فإذا كنا نركز على مقارنة شاملة حول نوعية الحياة بين الهند والصين، فإن علينا ان ننظر إلى ما دون المؤشرات الاجتماعية التقليدية، والكثير من هذه المقارنات ليس في صالح الصين.

هل يمكن أن يكون النظام الديمقراطي للهند حاجزا أمام استخدام فوائد النمو الاقتصادي في سبيل تحسين الصحة والتعليم وغيرها من الظروف الاجتماعية؟ عندما كان للهند معدل نمو اقتصادي متدن جدا، كما في ثمانينات القرن الماضي، كان من الصعوبة إقناع المعادين للديمقراطية بأن النمو الاقتصادي السريع إنما يعتمد على مناخ اقتصادي متجانس روحا وقالبا مع التنمية بدلا من اعتماده على سيطرة سياسية شرسة، وهذا النقاش انتهى الآن بسبب معدلات النمو المرتفعة للهند الديمقراطية.

لكن ما يحققه النظام الديمقراطي يعتمد بشكل كبير على أي من الظروف الاجتماعية يصبح قضايا سياسية. فهناك ظروف تتحول إلى قضايا سياسية بسرعة، مثل محن المجاعة (والمجاعات تميل إلى أن لا تحدث أبدا عندما تكون هناك ديمقراطية) فيما المشكلات الأخرى، الأقل إثارة وإلحاحا، فتمثل تحديا أصعب بكثير.

 

صعوبات هندية

ومن الصعوبة استخدام سياسة الديمقراطية لمعالجة أوضاع سوء التغذية او عدم المساواة بين الجنسين أو الغياب المنتظم للرعاية الصحية للجميع. ان النجاح او الفشل هنا يعتمد على نطاق وحيوية الممارسة الديمقراطية. في السنوات الأخيرة، قامت الديمقراطية الهندية بتقدم ملحوظ في التعامل مع المساواة بين الجنسين ونقص المدارس وسوء التغذية المنتشر بشكل كبير. وتشير الاحتجاجات الجماهيرية وقرارات المحاكم واستخدام قانون "الحق في المعلومات" الجديد إلى مدى تأثيرها، لكن يبقى أمام الهند طريقا طويلا أمام معالجة هذه الظروف.

في ظل ديمقراطية نشطة، فإن تقليص الحق بالحصول على مساعدة اجتماعية لم يكن ممكنا بهذه السهولة، وبهذه السرعة. وقد أدى هذا التغيير إلى خفض حاد في نسبة التقدم في طول العمر في الصين. وقد أدى ذلك إلى تقليص تفوقها على الهند في متوسط العمر المتوقع على مدى عقدين، من 14 سنة إلى 7 سنوات فقط.

لكن السلطات الصينية أدركت في نهاية المطاف ما فقدته، فبدأت منذ عام 2004 بإعادة إدخال حق الرعاية الطبية. وللصين الآن نسبة سكان برعاية اجتماعية مضمونة أعلى مما لدى الهند. والفجوة في متوسط العمر المتوقع بين البلدين بدأت ترتفع لصالح الصين مجددا، وتبلغ الآن 9 سنوات حيث درجة التغطية هي أيضا أساس في هذا الفارق. والسؤال يطرح حول إذا ما كان بإمكان النظام السياسي الديمقراطي للهند أن يعالج بفعالية الخدمات العامة المهملة مثل الرعاية الصحية، وهي إحدى أكثر الأسئلة التي تواجه البلاد إلحاحا.

 

فهم أعمق

ان بعض منتقدي عدم المساواة الاجتماعية الهائلة في الهند يجدون شيئا فظا في الانشغالات الداخلية الفردية والمتمركزة حول الذات لأقلية مزدهرة نسبيا. والاهتمام الأساسي يتركز على الأوهام التي تولدها التصورات المشوهة للازدهار والتي قد تمنع الهند من وضع الحرمان الاجتماعي في دائرة التركيز السياسي، وهو أمر ضروري لتحقيق ما هو مطلوب من خلال النظام الديمقراطي. ان فهما أعمق للظروف الحقيقية لجماهير الهنود المهملين وما يمكن ان نقوم به لتحسين حياتهم من خلال السياسة العامة يجب أن يكون قضية مركزية في السياسات الهندية.

وهنا بالتحديد نجد أن التركيز فقط على معدل النمو في الناتج القومي الإجمالي له التأثير الأكثر تدميرا. بإمكان النمو الاقتصادي أن يحقق مساهمة كبيرة في تحسين حياة الناس ، لكن التركيز عليه فقط له حدود يجب أن تكون مفهومة جيدا للجميع.