كانت الأجواء مليئة بالتوسلات لبقاء حلف "ناتو" على مساره، بعد دخول الحرب الأهلية الليبية شهرها الخامس، ودخول التدخل الغربي في ليبيا شهره الرابع، وبدا الأمر وكأن العائق الوحيد أمام تحقيق تدخل عسكري ناجح في هذه الأزمان، هو القلوب الضعيفة والخزائن الفارغة في الديار. لكن هناك من يشير إلى عوائق أخرى، فقد تم وقف تقدم الثوار على بعد 15 ميلا خارج مصراته، و130 ميلا شرق طرابلس، والرئيس الليبي معمر القذافي لا زال متمسكا بموقعه.

على الرغم من سيل الانشقاقات في صفوف كبار مسؤوليه، والارتفاع في أسعار الخبز، والحصار البحري، وطوابير الناس أمام محطات الوقود، وغيره من المشكلات التي يعاني منها النظام حاليا. وبمعزل عن وصف البعض لزمرته الحاكمة كقبيلة عائلية أو كمجرمي حرب وغيرها من الصفات، إلا أن الحقيقة تشير إلى أنهم ما زالوا في مواقعهم، بل يبدو أنهم يتمتعون بقدر من الدعم أيضا. وبالنظر إلى أي حد قد يبدو الأمر معيبا، لاسيما في دويلة صغيرة تحت الحصار تمتلئ سجونها بضحايا التعذيب، فإن الحقيقة المرة هي أن طرابلس قد شهدت احدى أقوى مظاهر الحملة العسكرية.

والعائق الأكثر أهمية أمام إنهاء الحرب لا يكمن في الأسباب السابقة، ففي صميم حملة "ناتو" تكمن الأمنيات التالية : ليت الثوار أفضل تسليحا أو أكثر تدريبا أو أحسن انضباطا، أو ليت قنبلة من تلك القنابل تكون ذكية بما يكفي لتجد القذافي وتقضي عليه، فتنفتح أبواب طرابلس على مصراعيها. وفي استرسال للمخيلة، يجري بين ليلة وضحاها، استبدال وجه الديكتاتور المنتشر في كل مكان برايات عصر الملكية، ويتقدم المجلس الوطني الانتقالي مباشرة إلى طرابلس، "إنه يوم النصر" والمطلوب الحصول على حقوق التأليف للفيلم ليتسنى بيعه وتوزيعه على الملأ. لكن هذا السيناريو التخيلي يبدو مجافيا للواقع. وبدرجة أقل لا يمكنه أن يشكل سياسة عامة لدول "ناتو".

لقد أنقذ التدخل بنغازي، لكن كما توقعت الصحيفة منذ أربعة اشهر، نتج عنه، في المقابل، تقسيما للبلاد وأفقا عسكريا مسدودا. والتدخل الذي شن باسم إنقاذ المدنيين تحول إلى حملة لتغيير النظام. وفي حين يبدو وكأن دوي زحف القوات الأرضية للتحالف يسمع في طرابلس، إلا أنه على صعيد الواقع لا شيء من هذا القبيل يحدث في أي مكان.

وكان المجلس الوطني الانتقالي قد وافق أخيرا، على عرض لمنظمة الاتحاد الإفريقي لبدء المحادثات مع حكومة طرابلس من دون إشراك الرئيس القذافي، وحافظ على موقفه مطالبا برحيله كمطلب أساسي لوقف اطلاق النار. وهذا الأمر كما تشير "مجموعة الأزمات الدولية" يخلط بين أمرين: تأمين وقف إطلاق النار وضمان أن لا يجري إشراك القذافي ولا أي فرد من عائلته في اطار التسوية التي ستلي جماهيرية القذافي، وفي سبيل تحقيق الأمر الثاني، يحتاج المرء إلى ضمان الأمر الأول.

وفي سبيل ضمان وقف إطلاق النار في ظل غياب أي إنجاز عسكري، سيترتب على هذا الأساس أن لا يغادر القذافي ليبيا. وبالطبع، إن الشركاء المرجحين للعب دور في تلك المفاوضات هما الرجلان اللذان كانا حتى الآونة الأخيرة في التيار الإصلاحي نفسه: مصطفى عبد الجليل وهو وزير العدل السابق والآن رئيس المجلس الوطني الانتقالي، وسيف الإسلام النجل الأكبر للقذافي والتي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية بحقه مذكرة اعتقال، أخيرا.

إن عكس هذا المسار، والذي يتطلب على أقل تعديل الاستسلام الفوري المشروط للقذافي وأولاده والقبائل التي يستمد نظام القذافي قوته منها، سوف يكون مؤلما بالنسبة لـ "ناتو"، لكن إذا لم تسقط طرابلس، فإن تطبيقه يصبح واجباً.