تخطى التدخل العسكري الدولي في ليبيا، والذي بدأ في 20 مارس الماضي، عتبة المئة يوم، من دون أي دلائل واضحة تشير إلى وجود حل سريع وفوري، والملاحظ أنه في موازاة حسابات المكاسب العسكرية والتقدم السياسي، هناك في المقابل صمت مطلق حيال التكلفة الإنسانية لهذا النزاع.

وهذا الوضع هو جزء من نمط سلوك يستمر منذ عقد من الزمن، فالقوات التي تشن الحروب في أفغانستان والعراق والآن ليبيا لا تقوم بنشر التفاصيل الدقيقة للأضرار التي تسببها عملياتها العسكرية، إلا على مضض، غير أن الوضع يشهد الآن تغيرا، مع زيادة عدد المبادرات التي يطلقها المجتمع المدني للتعامل مع هذه النواقص.

 

المأزق الليبي

قد يكون نظام الرئيس الليبي معمر القذافي الآن في طور سقوطه النهائي، فأنبوب النفط الذي ينقل الوقود إلى طرابلس من محطة التكرير الأخيرة العاملة في الزاوية قد يتم إيقافها، وتشهد العاصمة طرابلس طوابير طويلة على محطات الوقود، فيما انتعشت السوق السوداء. وإذا كان حصول انهيار مفاجئ لا زال ممكناً، فإن المؤشرات الأخرى تشير إلى أن النظام يحافظ على أساس مرن يؤدي وظائفه بشكل كاف، لضمان الحاجات الأساسية للبقاء على قيد الحياة.

والقوات التي تحارب القذافي لم تستطع إلى الآن إعادة السيطرة على موقع صناعة النفط الرئيسية، أي محطة تخزين وتكرير وتصدير النفط في البريقة. وإلى الشرق من طرابلس، لا زال بإمكان جنود القذافي استهداف أجزاء من الميناء الذي يسيطر عليه الثوار في مصراته. ويرى قادة الثوار أن الصراع سيدوم حتى أواخر الصيف، أما مخططو "ناتو" فيقرون في السر بمخاطر أن يبقى النظام قائماً حتى نهاية 2011.

وقد فوجئ عدد من الدول الأعضاء في "ناتو" بالنفاذ السريع لمخازن الذخيرة لديه في النزاع الليبي. وحتى الدنمارك، وهي إحدى الدول الصغيرة المساهمة في الحملة، فقد استخدمت ما مجموعه 500 قنبلة ذكية. وينقل عن كريستين روبرتسون من شركة "بوينغ" قوله:" قام فريقنا بتلبية طلبات عقود مستعجلة لست دول بما يوازي 2000 من أطقم التوجيه الخاصة بالقنابل الذكية و200 من مجسات الاستشعار الليزرية الخاصة بهذه القنابل، هذا بالإضافة إلى طلبات الإنتاج لكل من البحرية وسلاح الجو الأميركيين".

وتعزى مشكلات "ناتو" جزئيا إلى عدم رغبة إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بالاستمرار في التورط المباشر في الضربات الجوية الهجومية بعد الأسبوع الأول من الحرب، تاركة عمليات القصف لحلفائها الأوربيين. لكن الملاحظ هو عدم فاعلية العمليات الجوية الواسعة النطاق لـ"ناتو" في القضاء على النظام الليبي.

 

تقييم الخسائر البشرية

لكن في كل هذه التفاصيل الموصوفة بالعدد لا يوجد أي تقارير حول الإصابات البشرية. ولن ينشر "ناتو" مثل هذه التقارير، وكذلك لن يقر بها نظام القذافي إلا لأسباب نفعية، وهذا الجانب من الحرب لا زال الجميع يتكتم عليه بشكل كبير.

إن التكلفة في الأرواح في هذه الحرب، وفي كل الحروب السابقة والتالية، تبدو هائلة. وفي هذا السياق جاء تقرير "برنامج تكلفة الحروب" الذي نشره مشروع أيزنهاور للأبحاث في جامعة براون، في حينه، حيث قدرت التكلفة البشرية للحروب ما بعد الحادي عشر من سبتمبر كالآتي: عدد القتلى 225 ألفا وعدد الجرحى 365 ألفا. ومن الجنود القتلى هناك 6 آلاف أميركي و1200 من جنود التحالف، و9900 عراقي و8800 أفغاني و3500 باكستاني إلى جانب 2300 من المتعاقدين الأمنيين.

والمعاناة بين المدنيين هي أكبر بكثير: فقد قتل 172 ألف مدني بما في ذلك 125 ألف عراقي و35 ألف باكستاني و12 ألف أفغاني. ويشدد "برنامج تكلفة الحروب" على أن هذه الأرقام تمثل "تقديرات متحفظة إلى حد بعيد" ويشير إلى أن عدد المتمردين الذين قتلوا يتراوح بين 20 و 51 ألفا. لكن التقرير، في المقابل، يقترح مقاربة حذرة لعدد اللاجئين وخصوصا في العراق وأفغانستان حيث يشير إلى 7.8 ملايين لاجئ. ويستند مشروع أيزنهاور للأبحاث على عمل ميداني من قبل منظمة "إحصاء القتلى العراقيين" وغيرها من المجموعات العاملة في هذا المجال. ويوجد الآن أكثر من 25 من تلك المبادرات، ويساعد تعاونهما في تغيير موقف الرأي العام.

 

محاسبة تاريخية

ان التجربة الليبية تعزز أهمية تلك المشاريع. وكانت قلة من المواطنين في أوروبا الغربية قد فوجئت بغياب أي إشارة إلى الخسائر من قبل النظام الليبي. لكن امتناع "ناتو" عن نشر التكلفة البشرية لهجماته شكل للعديد منهم أمرا جديرا بالملاحظة، لا سيما وان التقارير الجزئية تتضمن معلومات واضحة عن تكلفة الحرب. وتشمل عمليات ناتو جمع معلومات تسمح بالتعرف بسهولة على أعداد القتلى بين المدنيين، ولا يوجد شك في أن "ناتو" يستطيع نشر تلك الوقائع من دون المساومة على عملياته.

ان فشل "ناتو" والدول القائدة للحملة القيام بذلك في ليبيا يتماشى مع سلوكها في العراق وأفغانستان، لكن الضغط يتصاعد نحو الإقرار بالإصابات جراء تلك الحروب من الناشطين ومراكز الأبحاث ومجموعات أخرى في المجتمع المدني. الطريق سيكون طويلا وشاقا، لكن هذا المسار الهادف إلى احتساب التكلفة البشرية للحروب هو ضروري، وسيأتي الوقت الذي يبدو فيه هذا الأمر طبيعيا جدا، بحيث يثير الدهشة لعدم إجرائه من زمن طويل.