قادت أوروبا العالم في ممارسة الديمقراطية، لذا ما يثير القلق هو أن لا تحظى المخاطر التي تهدد الحكم الديمقراطي في أوروبا اليوم، والآتية عبر الباب الخلفي للأولويات المالية، بالاهتمام المفترض ان تحظى به، وهناك قضايا عويصة يجب مواجهتها، حول الكيفية التي يمكن للمؤسسات المالية ووكالات التصنيف الائتماني ودورها المتزايد تباعا، تقويض الحكم الديمقراطي الأوروبي، بعد ان باتت تسيطر على أجزاء من المسرح السياسي في أوروبا.
ويفترض الفصل هنا بين مسألتين، الأولى تتعلق بأولويات الديمقراطية، فإذا كان المسؤولون الماليون الأقوياء يتمتعون بفهم واقعي لما يتعين القيام به، فإن هذا يزيد من أهمية إعارة الاهتمام لأصواتهم في إطار الحوار الديمقراطي، لكن هذا لا يشبه، بأي حال، إعطاء المؤسسات المالية العالمية ووكالات التصنيف الائتماني سلطة من جانب واحد، من خلال فرض الأوامر على حكومات منتخبة ديمقراطيا.
ثانيا، يصعب رؤية التضحيات المطلوبة من الدول غير المستقرة، والتي يفرضها المسؤولون الماليون، وقد حققت نجاحا نهائيا لهذه البلدان، أو شكلت ضمانة لاستمرار اليورو في إطار هذا النمط من الاندماج المالي من دون إصلاح، أو ضمانة لعضوية مستقرة في نادي الـ "يورو"، وتشخيص وكالات التصنيف الائتماني للمشكلات الاقتصادية ليس حقيقيا كما تدعي تلك المؤسسات. ومن المفيد ان نتذكر بأن سجل تلك الوكالات كان متهورا إلى أبعد الحدود، لاسيما من خلال ترخيص عمل مؤسسات تجارية ومالية قبل الأزمة الاقتصادية في 2008، الأمر الذي دعا الكونغرس الأميركي إلى النظر في مقاضاتها.
وبما أن معظم أوروبا مشغول اليوم في تقليص العجوزات العامة سريعا، من خلال تخفيض حاد في الإنفاق العام، فإنه سيكون أمرا حيويا التدقيق بالتأثير المرجح للسياسات المتبعة على الشعوب وعلى زيادة الإيرادات العامة عبر النمو الاقتصادي. وحتما فإن الأخلاق الحميدة للـ"تضحيات" لها مفعول مهدئ، وتشكل ما يمكن تسميته بفلسفة "المشد المناسب"، بمعنى "إذا كان المشد مريحا، فبالتأكيد تحتاج السيدة إلى مشد أصغر حجما". لكن، إذا كانت المطالبة بالملاءمة المالية مرتبطة آليا باقتطاعات فورية، فإن هذا قد يؤدي إلى ضرب النمو الاقتصادي.
وهذا الأمر ينطبق على عدد من البلدان بدءاً من بريطانيا وانتهاءً باليونان، وتعطي الإستراتيجية ذات القواسم المشتركة لتخفيض العجوزات بـ "الدم والعرق والدموع"، قبولا ظاهريا بما يجري فرضه على بلدان أقل استقرارا مثل اليونان والبرتغال، ويجعل الوصول أصعب إلى صوت سياسي موحد في أوروبا يقف بالمرصاد أمام الرعب الذي تولده الأسواق المالية.
والى جانب رؤية سياسية أوسع، فإن هناك حاجة إلى تفكير اقتصادي أكثر وضوحا، وتشكل الميول لتجاهل أهمية النمو الاقتصادي في توليد الإيرادات العامة بندا رئيسيا يستدعي الدراسة. فالرابط القوي بين النمو الاقتصادي والإيرادات العامة لاحظته بلدان عدة بدءاً من الصين إلى الهند ومرورا بأميركا والبرازيل.
دروس من التاريخ
وهناك دروس من التاريخ أيضا، فالديون الهائلة لبلدان عدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كانت قد سببت قلقا رهيبا، لكن هذا القلق ما لبث أن تلاشى بفضل النمو الاقتصادي السريع. وبشكل مماثل، فإن العجوزات الهائلة التي واجهها الرئيس الأميركي بيل كلينتون عند وصوله إلى سدة الرئاسة في عام 1992، اضمحلت خلال رئاسته، بمساعدة كبيرة من النمو الاقتصادي المتسارع.
ان الخوف من حصول تهديد للديمقراطية، لا ينطبق بالطبع على بريطانيا حيث يجري اختيار السياسات من قبل حكومات خاضعة لانتخابات ديمقراطية. وعلى الرغم من ان الكشف عن الإستراتيجية لم يجر خلال الانتخابات البريطانية، وهذا الأمر يستدعي التوقف عنده، فإنه في المقابل يشير إلى شكل الحرية التي يسمح بها النظام الديمقراطي للفائزين في الانتخابات. لكن هذا لا يلغي الحاجة لمزيد من النقاش العام حتى في بريطانيا، كذلك هناك حاجة للإقرار بأن السياسات المقيدة المختارة ذاتيا في بريطانيا تبدو وكأنها تعطي معقولية للسياسات الكارثية التي فرضت على اليونان.
كيف دخلت بعض دول اليورو في هذه الفوضى؟ ان الدخول في عملية موحدة من دون المزيد من الاندماج السياسي والاقتصادي لعب دورا بدون شك، وكانت الخروقات المالية ترتكب في السابق من قبل دول مثل اليونان أو البرتغال، ويرى الاقتصادي الإيطالي ماريو مونتي أن ثقافة من "مراعاة مبالغ بها" في الاتحاد الأوروبي سمح لهذه الانتهاكات ان تقترف من دون أي رادع. وعلى الرغم من المقاومة السياسية، تقوم اليونان بما تقوم به اليوم، بسبب الدين الهائل المتراكم على كاهل الحكومة اليونانية، ورئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو بشكل خاص، لكن استعداد اليونان الموجع للرضوخ لا يعني إزالة حاجة أوروبا لدراسة حكمة الإجراءات المفروضة على تلك الدولة، وتوقيتها.
قلق اليورو
وعلى الرغم من أن بعض المحللين البريطانيين عارضوا اليورو بثبات، غير أنهم أيدوا الاتحاد الأوروبي بقوة. والقلق حيال اليورو كان يرتبط جزئيا بقيام كل دولة بالتخلي عن الحرية في مجال السياسة المالية وتعديل سعر الصرف، وهذه الحرية ساعدت البلدان التي تمر في أزمة فيما مضى، ومنعت زعزعة الاستقرار من خلال الجهود المحمومة لاستقرار الأسواق المالية.
على المسار ان يبدأ بتقييد فوري لقوة وكالات التصنيف الائتماني في إصدار أوامر من جانب واحد. وهذه المؤسسات يصعب السيطرة عليها على الرغم من سجلها الرديء، لكن صوت مناقض للحكومات الشرعية يمكنه أن يـُحدث تباينا مهما على مستوى الثقة المالية، خصوصا إذا ما قدمت المؤسسات المالية العالمية دعمها، على أن يجري بموازاة ذلك العمل على إيجاد الحلول الملائمة. إن إيقاف تهميش التقليد الديمقراطي لأوروبا يعد أمرا طارئا وبالغ الإلحاح، فالديمقراطية الأوروبية مهمة لأوروبا والعالم.
