إن مغادرة الفلسطينيين لغزة عبر مصر هو درب يثير السخط والاستياء بالنسبة لمعظمهم، تماماً كما الدخول إليها، وبحكم حساسيات سياسية وثقافية، فإن معظم المسؤولين الفلسطينيين يمتنعون عن نقد الكيفية التي تجري بها معاملة شعبهم على معبر رفح.
وليس هناك من طريقة دبلوماسية لوصف العلاقة بين الفلسطينيين البائسين فاقدي الأمل، وبينهم من يصارع بشكل فعلي في سبيل البقاء، وبين المسؤولين المصريين على المعبر الذي يفصل غزة عن مصر. فالغزاويون تجري معاملتهم بشكل غير مريح جداً على الحدود.
وتقول المادة 13 (2) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "يتمتع كل فرد بحق المغادرة لأي بلد، بما في ذلك بلده، والعودة إلى بلده". وهذا المبدأ العالمي يستمر في التملص من فلسطيني غزة.
وقد كنت احد الفلسطينيين الأوائل ممن وقفوا على معبر رفح بعد الإعلان عن فتح "دائم" له. وانتظرت الحافلة على البوابة لفترة طويلة، وتراءى لناظري والد يحاول طمأنة ابنه البالغ الرابعة من عمره، والذي تبدو عليه علامات واضحة لمرض عضال في العظام.
موقف لا يحمل
كان الحر في الحافلة الممزوج برائحة العرق لا يحتمل، وأخذ الركاب على عاتقهم مغادرة الحافلة والوقوف أمامها، تحت نظرات زاجرة من المسؤولين المصريين، بعدها كان يتوجب عليهم إيجاد مياه شرب وبقعة مظللة في تلك المنطقة القاحلة، ولم يكن هناك دورات مياه.
وكان يمكن الإحساس بشعور واضح من التعب والارهاق، ولم يبد هناك احد في مزاج للتحدث عن الثورة المصرية، وهو الموضوع المفضل لمعظم الفلسطينيين.
ويحكم المنطقة علاقة غريبة تعود إلى سنوات عدة، قبل أن تقرر مصر تحت حكم الرئيس المصري السابق حسني مبارك، إغلاق الحدود في 2006 في سبيل المساعدة في القضاء على حماس.
والقضية لا علاقة لها بالجنس أو العمر، فجميع الفلسطينيين تجري معاملتهم بطريقة واحدة على معبر رفح، ولا زالوا يعانون حتى بعد إسقاط مبارك وعائلته وطرد جهازه الأمني الفاسد، وعلى ما يبدو لم تصل الثورة المصرية إلى غزة بعد، ويتعين عليها ذلك.
وعندما سمح للحافلة أخيراً بالدخول بعد مضي خمس ساعات، اندفع الفلسطينيون باتجاه البوابة، وكل واحد منهم يأمل أن يكون ضمن المحظوظين المسموح لهم بالعبور، وكان القلق جلياً على وجه المسافرين، وهذا القلق يجعلهم في العادة ضحية عمال الحدود الفاسدين. وكل هذا في الواقع غير صحيح، حيث إن القرار يتخذه رجل واحد فقط، يشار إليه بـ"رجل المخابرات".
وقد رد البعض على أعقابهم، فيما سمح للبعض الآخر بالدخول، والكل مجبر على الانتظار لساعات طويلة، وحتى لأيام أحياناً، من دون أي تفسير واضح.
ولقد قرر "رجل المخابرات" أن الطلاب الغزاويين الثلاثة الذين في طريقهم إلى جامعاتهم في روسيا عليهم أن يعودوا أدراجهم. فقمت بالاحتجاج باسمهم، فانقلب القرار رأساً على عقب بشكل تعسفي، كما تم إصداره بشكل تعسفي.
أما أولئك الذين عادوا أدراجهم إلى غزة، فقد تمت مرافقتهم إلى المكان نفسه في سبيل انتظار الحافلة الهزيلة نفسها في طريق العودة، أما بعض الذين سمح لهم بالدخول، فقد تمت مرافقتهم من قبل عاملين في الأمن عبر صحراء سيناء، حتى مطار القاهرة الدولي، في سبيل ترحيلهم إلى وجهتهم النهائية.
حاجات قاهرة
ان الحاجات القاهرة مثل العلاج الطبي والتعليم والحرية هي التي تدفع الفلسطينيين إلى الحدود. فالحصار الإسرائيلي قد خنق غزة كلياً. ومصر هي أمل غزة الوحيد.
تبلغ نزيهة السباخي البالغة من العمر 63 عاما من العاملين على المعبر: "أرجوكم أن تفتحوا المعبر، إن إخوانكم في مصر قد أذلونا لمدة طويلة. ولقد حان الوقت لاستعادة كرامتنا".
وفيما هم يعبرون مصر إلى وجهتهم النهائية، بدا الركاب مبتهجين على الرغم من كل شيء، وبدا الشباب غير مستائين، يقول مجيد: "إنني أحب مصر، ولا أدري لماذا؟"
