أطلقت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون سلسلة من التصريحات الحازمة أخيرا بعد فترة غياب، وظهورها المفاجئ على المسرح الدبلوماسي الشرق أوسطي، كان وراءه المحاولات الشجاعة لناشطي السلام كسر الحصار عن غزة.
وكانت السياسة الخارجية الأميركية قد بدأت بالابتعاد قليلاً عن مسرح الأحداث، مع قيام الشعوب العربية بتصفية حساباتها مع الديكتاتوريين القابعين على أنفاسها. وتأرجحت محاولتها للهيمنة على الانتفاضات العربية بين الجهود الدبلوماسية الخجولة الهادفة للحفاظ على المصالح الأميركية، كما في حالة اليمن، والتدخل العسكري، كما في حالة ليبيا، هذا التدخل الذي يروج له في أميركا على أنه تدخل إنساني على نقيض حقيقته الفعلية، كفعل حرب.
وما يظهر من تردد ومقاييس مزدوجة في التعامل مع مجريات الأحداث ليس بالحدث الجديد. فالموقف الأميركي خلال الثورة الشعبية التونسية تراوح ما بين غياب الاهتمام الكلي بالأوضاع، لا سيما عندما بدأت الاحتجاجات تختمر في ديسمبر 2010، والحماس المفاجئ للحرية والديمقراطية، لاسيما عندما أدت الانتفاضة إلى خلع الرئيس التونسي زين الدين بن علي من منصبه في 14 يناير 2011.
وهذا التأرجح في السياسة الخارجية تكرر أيضا في الاتجاهين خلال الثورة المصرية. فالوصف الأميركي للرئيس المصري السابق حسين مبارك تأرجح ما بين اعتباره زعيما صديقا، أو ديكتاتوريا كريها يفترض رحيله في سبيل الديمقراطية المصرية.
سياسة مبهمة
لقد استغرق خلع الرئيس التونسي زين العابدين بن علي 28 يوما، ومبارك 18 يوما. وخلال الفترتين، بدت السياسة الخارجية الأميركية تجاه البلدين، وتجاه الشرق الأوسط عموما، عصية على الوصف بكلام ملموس، كما بدت هيلاري كلينتون مثالاً لهذا التقلب الدبلوماسي.
والآن تتحدث كلينتون بلغة واضحة تماما لا تترك مجالا لأي تفسير. فعندما يتعلق الأمر بأمن إسرائيل ومصالحها، في مقابل أمن ومصالح كافة دول منطقة الشرق الأوسط وشعوبها، فإن كلينتون كما كبار المسؤولين الأميركيين، لا تترك مجالا للشك: إسرائيل دوما تأتي في المقام الأول.
ولهجة كلينتون الحازمة تلك جاءت للرد على قرار ناشطين في العمل الإنساني من اكثر من 20 دولة، السفر إلى غزة في لفتة رمزية لتحدي الحصار الإسرائيلي على واحدة من أكثر المناطق فقرا على الأرض. وقد أدلت كلينتون بالآتي:" نظن أنه من غير المفيد وجود أساطيل صغيرة تحاول إثارة الأفعال بالدخول إلى المياه الإسرائيلية وإيجاد أوضاع على الأرض، حيث الإسرائيليون لديهم الحق في الدفاع عن أنفسهم".
شيك على بياض
وبالتأكيد، تقدم هذه التصريحات المنذرة بالسوء للمرة الثانية شيكا على بياض لإسرائيل لكي تفعل ما تشاء. وبحسب منطق كلينتون هذا، فإنه إذا ما قامت إسرائيل بتكرار السيناريو نفسه الذي استخدمته في اعتراض الناشطين على متن الأسطول الأول في 31 مايو 2010، مما أدى إلى مقتل تسعة ناشطين على متن سفينة مرمرة، فإن الأمر يشكل "دفاعا عن النفس".
وكان عضو البرلمان الأوروبي الايرلندي بول مورفي قد رد على ملاحظات كلينتون، أخيرا، بقوله: "ليس صحيحا أننا سندخل المياه الإسرائيلية، بل سنبحر عبر مياه غزة . إن تصريحات كلينتون مخزية لأقصى درجة. فلقد أعطت الضوء الأخضر للقوات الإسرائيلية باستخدام العنف ضد المشاركين في أسطول السفن الصغير". وبالتأكيد، سوف يستخدم الدبلوماسيون الإسرائيليون دعم كلينتون السياسي اللفظي لأفعالهم في كل مناسبة.
وللمفارقة تقول كلينتون في هذا الشأن: "لا نعتقد أن أسطول السفن مفيد أو مساعد أو مثمر لأهل غزة، والمقاربة الأفضل تكون بدعم العمل الذي يجري من خلال الأمم المتحدة".
وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت عدم شرعية حصار غزة، وصرح عدد من المسؤولين الكبار لديها بهذه الحقيقة مرارا وتكرارا، كما دعت الهيئة الدولية إسرائيل إلى إنهاء الحصار.
ومن أبرز المواقف كان تقرير رئيس شعبة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة نافي يبلاي والذي نشر في 14 أغسطس 2009، حيث اتهم التقرير إسرائيل بانتهاك قواعد الحرب بمنعها انتقال الناس والسلع من والى داخل قطاع غزة". ويقول بيلاي: "يشكل حصار غزة عقابا جماعيا ضد المدنيين وهذا محرم دوليا في إطار مواثيق جنيف بخصوص التعامل خلال الحرب والاحتلال".
وقبل تفحص تقرير بيلاي، فإن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل رفضت نتائجه، والآن فجأة تدعو كلينتون بإلحاح كافة الأطراف المعنيين للعمل من خلال المؤسسة نفسها التي سبق ان استخفت إدارتها بها.
ومنذ صدور التقرير لم يحصل أي تحرك لمعالجة الوضع ولإنهاء المأساة الفلسطينية في غزة. وتضع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في الأمم المتحدة "أونروا" البطالة في غزة عند مستوى 45.2%، وهي من بين أعلى النسب في العالم، وقد ازدادت في النصف الأول من عام 2011 بنسبة 3%، في حين تراجعت الأجور الشهرية بشكل كبير، فالأزمة الإنسانية في غزة ليست فقط سيئة، بل إنها تزداد سوءا يوما بعد يوم.
وكان ضغط دبلوماسي من إسرائيل قد أقنع تركيا أخيرا بعدم السماح لصندوق الإغاثة الإنساني من الانضمام إلى أسطول السفن، حيث من غير المتوقع أن تبحر سفينة مرمرة إلى غزة في وقت قريب. ومن الواضح أن ضغطا سياسيا كان الدافع لهذا القرار التركي، فقد تحدثت كلينتون إلى نظيرها التركي احمد أوغلو للتعبير عن سعادتها بالقرار بحسب صحيفة "الحرية" التركية الصادرة في 21 يونيو 2011.
والآن بفضل مجموعة من الناشطين السلميين من المجتمع المدني، فإن وزارة الخارجية تستعيد خطابها الحاسم، وهذا الخطاب هو بغيض ومجرد من المبادئ أكثر من أي وقت مضى.
