بدا وزير الدفاع البريطاني ليام فوكس، في فورة غضب، أخيراً، حين أعلن عن عزمه إعادة تنظيم تسلسل الرتب العسكرية في بريطانيا، موجهاً نقداً لاذعاً إلى القادة العسكريين الكبار لكثرة انتقاداتهم العلنية لتأثير العمليات العسكرية على جنودهم في ليبيا. وتصريحاته تلك كانت قد لقيت آذاناً صاغية لدى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أخيراً عندما تحدث بانفعال موجهاً كلامه إلى القادة العسكريين، قائلاً: «انتم تقومون بمهام القتال وأنا أقوم بمهام الكلام».

ومن الطبيعي أن تنتاب الشعب حالة من الارتباك، فالمحافظون في بريطانيا كانوا لعقود من الزمن يعرفون بتأييدهم الخالص للجيش، كما أن الضباط السابقين ممثلون في العادة بشكل جيد بين أعضاء البرلمان. وكان المتوقع أن يشعر القادة العسكريون الكبار بالارتياح لوجود ميول سياسية تلائم أهوائهم. فماذا يجري إذن في الواقع؟

إن هذه المشاحنات العلنية هي واقعية إلى حد ما. والسياسيون المحافظون في الحكومة الآن يجنون ثمار ما زرعوه خلال وجودهم في المعارضة، لا سيما تشجيعهم للقادة العسكريين السابقين على التحدث علانية، واستخدامهم لكل تصريح أدلى به هؤلاء في إطار الهجوم على سياسة حزب العمال الدفاعية، لكنهم الآن في موقعهم الجديد في الوزارة يتمتعون بكامل الحق في توقع الولاء والحصول على نصائح عسكرية واضحة من قادتهم العسكريين.

 

شعور مستقل

ومن جهة أخرى، يعي القادة العسكريون أنهم ضباط الملكية وليسوا ضباط الحكومة، وتقع عليهم مسؤولية امتلاك شعور مستقل بالمصلحة الوطنية. وهم لن يترددوا بحسم أمرهم حيال الأوضاع في ليبيا أو أفغانستان، وسيقومون بما يطلبه السياسيون منهم، لكنهم يعتقدون بأن الثمن الطويل الأمد الذي ستدفعه القوات العسكرية هو أعلى من أن يدرك فداحته رؤسائهم السياسيين.

وكانت العلاقة بين كبار القادة العسكريين والسياسيين قد مرت بأوقات سيئة في ما مضى، ثم عادت وتحسنت، لكن التوتر الحالي في العلاقة قد لا يهدأ لأنه يشكل في الواقع أعراضا لمسائل أكثر تعقيداً.

ويبدو الضعف في الاستراتيجية مكمن الخلاف. وبكل وضوح فإن بريطانيا لم تحسن وضعها الاستراتيجي على الإطلاق. ففي جنوب العراق، أخذت بريطانيا على عاتقها مسؤولية أكبر مما تستطيع تحمله على امتداد فترة طويلة، وعندما كانت هناك حاجة لأفعال حاسمة لطرد جيش المهدي من البصرة في 2008، جرى تهميش القوات البريطانية لأن انتشارها كان ضعيفا جدا ليحدث فرقا بعد خمس سنوات من الجهود المبذولة.

 

مخاطر عدم الاستقرار

ولا يتعلق الأمر بضعف قدرات القادة البريطانيين على التفكير بحلول لهذه المشكلات أو لقضايا أكثر أهمية، مثل مخاطر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وموقع بريطانيا في «القرن الآسيوي» وغيره من القضايا. وبإمكان أناس على حسن اطلاع بمجرى الأمور القيام بتلك المهام، إنما الأمر يتعلق بواقع أن الاستراتيجية هي أساساً مزج «للغايات» والتطلعات الكبيرة، واستخدام الطرق والوسائل المختلفة لتحقيقها.

وهذا ما لم تظهره أي من الوثائق الاستراتيجية البريطانية، بما في ذلك المراجعة الاستراتيجية الأمنية والدفاعية الأخيرة، كلها عبارة عن مجموعة من الأهداف التي لا توضيح الموارد التي يجب أن تكرس لتحقيقها.

إن تسيير قضايا الدفاع هي من دون شك مهمة صعبة للغاية. في أوقات السلم، يتعين على وزارة الدفاع أن تعمل كدائرة عادية على أساس فعال من حيث التكلفة والمساءلة. لكن أيضا يجب أن تخطط وتبني للتحقيق الفوز في أوقات الحرب، حيث التدقيق في الحسابات يأخذ موقعاً متراجعاً في الأولويات. وهي الدائرة التي يتعين عليها تولي القيادة الوجدانية في أوقات الحرب، والعمل على شراء الأسلحة والمعدات بمعزل عن رأيها بما سيكون عليه العالم الخارجي بعد 20 أو 30 عاماً.

وهذا الأمر يطرح تحديات عدة. فمحاولة وزارة الدفاع الظهور كوزارة تتمتع بالكفاءة إلى جانب دورها كمقر عسكري استراتيجي، قد أدى إلى واقع مأساوي. والاعتماد المتزايد على اللجان أنتج نظاماً «معقداً وصعب الفهم» حسبما يقول فوكس، وخذل القادة السياسيين والعسكريين لسنوات عدة.

والمجتمع البريطاني في النهاية مجتمع معاصر بتطلعاته المتناقضة. ويريد هذا المجتمع الحصول على الحماية والأمن في الوقت الذي يريد الاستمتاع بما تفرزهما العولمة والتشبيك. وهذا المجتمع لا يرى نفسه مهددا عسكريا، لكنه يريد رؤية الجنود البريطانيين يحافظون على الامتيازات والمصالح البريطانية. ويتوقع منهم حسن التصرف طالما لا يكلفه الأمر اكثر من 2% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الوقت الذي يخطط ليكون لاعبا مبدعا في الاقتصاد العالمي الجديد، فإنه يرغب بالاحتفاظ بكثير من الإرث العسكري.

وإذا كنا نريد تلبية تطلعات الشعب المباشرة، يتعين علينا طمس الدفاع لكي نساعد البلاد على تجاوز مديونيتها، لكن سيكون هذا عملاً غير مسؤول. كما أن الأهواء السياسية لرئيس الوزراء تبعده عن الإعلان عن تخفيضات إضافية في مجال الدفاع، على الرغم من أن الوضع المالي لن يتحسن مهما حصل.

ان التوترات بين فوكس وكاميرون والقادة العسكريين الكبار هي عوارض لحال عدم اليقين ولتناقض رؤيتهم الطويلة الأمد لسياسة بريطانيا الدفاعية. وهذا السؤال المطروح لم نقترب بعد من الإجابة عليه، ولو كان حالنا أفضل في احتساب الأوضاع الإستراتيجية وأوجدنا نظاما فعالا لتحقيقها، لكانت المناقشات تجري الآن في السر بدلاً من العلن.