علق كثيرون على خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي أعلن فيه البدء بالسحب التدريجي للجنود الأميركيين من أفغانستان، وكما يحدث بعد كل خطاب يتناول السياسات المتبعة، فقد ظهرت على الملأ على وجه السرعة تكتلات سياسية.
كانت أصداء خطاب الرئيس الأميركي بشأن الانسحاب من أفغانستان سريعة جدا على القادة العسكريين الكبار، حسبما قيل، وبطيئة جدا على الديمقراطيين المعارضين للحرب. وتبعا لذلك، قام المحللون بتحليل دوافع أوباما، وأجروا مقارنات تاريخية.
خريطة طريق
يقول محلل الشؤون الخارجية روبرت كاغان، إن خريطة الطريق التي وضعها الرئيس أوباما أملتها عليه خطط إعادة انتخابه، ولم تملها واجباته تجاه الأمة. وعلى الرغم من تصريح رئيس هيئة الأركان المشتركة الأدميرال مايك مولن وقائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال ديفيد بترايوس، علنا بأنهما يدعمان أوباما، لكنهما أثارا بعض التساؤلات حول السرعة التي سيجري فيها سحب القوات. يقول كاغان إن الجيش الأميركي يرى خطة الرئيس "كارثية"، ويضيف في صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية:
"في ظل الدستور الأميركي لا خيار أمام القادة العسكريين إلا التصديق على قرار الرئيس بعد إعطائه المشورة والنصح. يمكنهم الاستقالة طبعا، لكن استقالتهم أمر كارثي، بالنسبة للجنود على الأرض على الأقل.
لكن من دون أدنى شك، فإن القيادة العسكرية برمتها تعتقد بان قرار أوباما خاطئ، وستثابر على القيام بمهامها على أفضل ما يكون، لكن كما قال الأدميرال مولن، فإن قرار الانسحاب من أفغانستان سيزيد المخاطر على الجنود الأميركيين ، ويعقد احتمال نجاح المهمة هناك.
ولا مناص من التكرار بأن التاريخ النهائي الذي وضعه الرئيس لا علاقة له بحسابات عسكرية أو إستراتيجية، وإنما يتعلق بالكامل بحسابات انتخابية. فالرئيس أوباما يريد إخراج الجنود قبل شهرين من توجه الأميركيين إلى صناديق الاقتراع".
فقدان القدرة
يوافق ويليم كريستال على هذا التحليل، أما ريتشارد فرناندز في نادي بلمونت، فيذهب إلى ابعد من ذلك حيث يكتب: "ما يشكل كارثة بحق ليس الانسحاب بحد ذاته، على الرغم من المخاطر المترتبة على ذلك، بل فقدان الإدارة الأمريكية القدرة على مضي في أي نوع من السياسات السليمة العملية طويلة الأمد من الناحية الاستراتيجية. وعند التمعن في التحديات فإن الدفة تميل إلى كيفية الفوز بالانتخابات المقبلة.
وهذا يوجد قاعدة مدمرة جدا لجهة اتخاذ القرار، إنه سلوك سياسي يزدري بالكامل بالمحكومين ويستند إلى الاعتقاد بان المقترعين يمكن دائما إقناعهم ببيع أرواحهم مقابل ثمن بخس، والمؤسف ان الأمر ينجح في الغالب".
لكن إيلي كليفتون من مركز "ثينك بروغرس سكيوريتي" يدرس تقارير سلسلة الأوامر التي قدمها كل من بترايوس ومولن، ولا يتفق مع تأكيدات كاغان على ان الجيش يرى خطة أوباما "كارثية"، ويكتب في هذا الإطار:
"يقدم الجنرال بترايوس تفسيرا أكثر دقة كيف ان البيت الأبيض شاور القيادة العسكرية قبل إعلانه قرار الانسحاب". ويستعين كليفتون بمقاطع من حديث الجنرال بترايوس الذي يفيد بأن النقاش أخذ بعين الاعتبار المخاوف لدى القيادة المدنية، حيث يقول بترايوس: " النقاش كان مفعما بالحيوية طبعا، ولقد سمع صوت كل من في القاعة وفي النهاية تم اتخاذ القرار، ومع اتخاذ القرار أنا ادعم القرار بكل وضوح".
كذلك يستعين بكلام الأدميرال مولن :"قوة اكبر بوقت أطول هي بدون شك المسار الأكثر أمانا، لكن هذا لا يجعله بالضرورة المسار الأفضل. فقط الرئيس في النهاية يمكنه ان يقرر المستوى المقبول للمخاطر التي يتوجب تحملها، واعتقد انه قام بذلك". ويرى كليفتون في ذلك مثالا مشجعا لكيفية عمل النظام الأميركي.
ولقد حظي قرار الرئيس ببعض الدعم من الكاتب مايكل كوهين الذي يستعين بأقوال بوب وودورد. يكتب كوهين:
"يظهر حديث وودورد بأن الرئيس كان على استعداد لإعطاء إستراتيجية مكافحة التمرد فرصة، لكنه لم يكن مقتنعا بنجاحها، ولقد استعاد في خطابه الأخير سيطرته على التوجهات السياسية في أفغانستان. ويعني هذا أننا أمام إستراتيجية أميركية تمضي في مسار اجتثاث التصعيد. وهذه ليست نهاية الحرب في أفغانستان، لكنها بالتأكيد بداية لجهود أميركا في "تقليص الحرب".
وفي سياق المقارنات التاريخية، تعود دانا ميلبانك إلى الخطاب المشؤوم للرئيس الأميركي السابق جورج بوش، "المهمة انتهت" لتقول:
"لم يكن هناك لا إعلام ولا هتافات أو ناقلات طائرات، ولا طلعات جوية، لكن لكي لا نسيء الفهم، فقد أعطى الرئيس الأميركي أوباما في خطابه أخيرا، نسخته الخاصة من "المهمة انتهت".
لم تكن تلك السياسة بحد ذاتها انتصارا، بل مساومة بين الجنرالات الداعين إلى سحب أقل سرعة للجنود من أفغانستان، وبين الديمقراطيين في الكونغرس وأغلبية الناس الذين يرغبون بانسحاب سريع من هناك. لكن أوباما صاغها في قالب جميل وأعلن قبل الأوان بان خطة "زيادة القوات" في أفغانستان كانت ناجحة."
ويكتب ريتشارد كوهين في صحيفة "واشنطن بوست" قائلا بأن خطاب أوباما أشار إلى لحظة تاريخية عظيمة وقاتمة، حيث العصر الأميركي قد انتهى، وما يعنيه الخطاب هو وصول الهيمنة الأميركية إلى حدودها القصوى.
يتابع كوهين "الحرب لم تنته لكننا انتهينا، وقول الرئيس بأنه حان الوقت للتركيز على بناء الأمة داخل أميركا، إنما يفيد بأننا فعلنا ما في وسعنا في أفغانستان، وهناك دائما المزيد للقيام به طبعا. لكن الجيوب فارغة والأمة متعبة.
