يشكل انسحاب الجنود من أفغانستان بالنسبة لطالبان ولمعظم العالم دليلا على ضعف الولايات المتحدة، وتلاشي هيبتها. وفي حين تبدو المنافع قصيرة الأمد لعملية التخلي عن خطة مكافحة الهجمات في أفغانستان جذابة سياسيا، إلا أن كلفتها على المدى الطويل قد تتجاوز ما يتوقعه الرئيس الأميركي باراك أوباما.

وكان الرئيس أوباما قد أعلن أخيرا أنه سيصدر أمرا بانسحاب تدريجي للجنود الأميركيين من أفغانستان، ولا يوجد ظاهريا أي مفاجأة في هذا القرار. فأوباما يطبق ببساطة ما وعد به الشعب الأميركي في عام 2009، وعندما وافق على احترام طلب الجنرال ستانلي ماكريستال بزيادة عدد القوات، كانت تلك الزيادة مؤقتة على الدوام، وبشكل خاص في ضوء الضغوط التي تواجهها الميزانية بسبب الأزمة المالية.

وبالنظر مجددا إلى خطاب أوباما، يظهر ما هو أكثر إثارة للاهتمام، حيث إن ما يقوله في الخطاب، فيما ما بين السطور، يعادل إزالة عنصر حيوي في حربي أفغانستان والعراق، في مقابل تأكيد ممارسات أخرى أقل تعقيدا.

من سيطبق خطة الخروج لأوباما؟ ثلاثة رجال جدد تم تعيينهم أخيرا وهم ليون بانيتا وزير الدفاع الأميركي خلفا لروبرت غيتس، والجنرال مارتن دمبسي رئيس هيئة الأركان المشتركة خلفا لمايك مولن ، والجنرال جون آلن قائد القوات الأميركية في أفغانستان خلفا لديفيد بترايوس.

ان العنصر المستبعد في الخطة يتعلق ببرنامج مكافحة التمرد، والذي هو كناية عن خطة بناء الأمم عمليا. في المقابل، هناك زيادة استخدام الطائرات الموجهة عن بعد، أو القصف المستهدف للأفراد والمجموعات المختارة. وهذا يمثل إستراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب جرى تغليفها في خطابات كبرى مثل الخطاب الذي قدمه أوباما في القاهرة منذ سنتين، وليس صعبا بيعها للأميركيين الذين يعانون من عبء المشكلات الاقتصادية.

مكافحة التمرد مقابل مكافحة الإرهاب

إن الفرق بين مكافحة التمرد ومكافحة الإرهاب فرق جوهري، فسياسة مكافحة الإرهاب تعني استهداف جماعة القاعدة والتابعين لها، والسعي في الوقت نفسه إلى تخفيف الضرر على المدنيين في موقع العمليات. أما سياسة مكافحة التمرد فأهدافها أكثر طموحا، حيث تهدف إلى تخليص أفغانستان من طالبان والقاعدة، وبناء حكومة قوية قادرة على تهميش المتشددين.

ان رد الفعل السياسي على الخطاب كان لافتا للنظر.

كان الوضع في السابق يوحي بأن الديمقراطيين أكثر حساسية تجاه استخدام القنابل أيا كان نوعها، في حين كان الليبراليون في أميركا يميلون إلى تفضيل القوة الناعمة، وعندما يصبح استخدام القوة الخشنة حتميا، كانوا يصرون على ان تقوم الأمم المتحدة أو قوات "ناتو" بقيادة العملية، كما حصل في ليبيا، ويؤكدون على الدوام على حد ادنى من الإصابات بين المدنيين. تصوروا لو كان الرئيس بوش هو الذي يصدر أمرا بشن حملة تستهدف الاغتيالات منذ ثلاث سنوات، عندئذ ماذا سيكون رد فعل هؤلاء الليبراليين ؟ هذا دون ذكر مخالفة النصيحة القانونية حول قرار شن الغارة الجوية ضد الحكومة الليبية.

ان الدعوات القوية لبعض الجمهوريين، بما في ذلك العديد من الذين يسعون إلى الترشح باسم الحزب الجمهوري للرئاسة، إلى تخفيض مستوى الجنود في الخارج بسرعة، تبدو لافتة للنظر لأنها تشير إلى وجود نوع من إجماع الرأي بين الحزبين.

لكن علام يتفق الحزبان؟ يبدو أن هناك اتفاقا عاما على الكلفة المرتفعة للحرب، والأهمية الواضحة للقضايا المحلية، وبوجه خاص الاقتصاد، والحاجة إلى أن يتسلم الأفغان مسؤولية أمنهم بأنفسهم في أسرع وقت ممكن.

وبالتنازل بهدوء عن قرار أوباما بتوسيع استخدام الطائرات الموجهة عن بعد، يبدو أن الليبراليين قد وافقوا على الافتراضات الأساسية للرئيس بوش بأن الإرهابيين هم مقاتلون أعداء، وبأن أميركا في حالة حرب. ويتساءل كثيرون في أميركا وحول العالم إذا ما كان خطاب أوباما، والدعم الواسع له من الحزبين، يشكل دليلا جديدا على تراجع القوة الأميركية. فعلى الدوام، كانت القوة الأميركية أو ضعفها مسألة إدراك الحسي.