تعتبر المهمة العسكرية البحرية والجوية في ليبيا، الأولى بهذه الضخامة منذ الأزمة المالية العالمية، وهناك مخاوف مشروعة حول ما إذا كان حلفاء "ناتو" الأوروبيين قادرين على الاستمرار في التعامل مع مثل تلك الأزمات، لا سيما بعد قيامهم بتقليص حاد في نفقاتهم العسكرية.

لكن السرعة غير المسبوقة لعملية "الحامي الموحد" وحجمها ووتيرتها، تشير إلى واقع مغاير. لقد أظهرت العملية بأن الدول الأوروبية على الرغم من أن إنفاقها على الدفاع هو أقل من الولايات المتحدة والقوات الأسيوية، إلا أنها لا تزال قادرة على لعب دور محوري في العملية العسكرية. فأوروبا لا تزال تحتفظ بالقوات العسكرية الأكثر تطورا في العالم بعد الولايات المتحدة، والسؤال المطروح هو ما إذا كانت أوروبا قادرة على الحفاظ على هذا المستوى خلال السنوات المقبلة.

 

التحدي الأمني

وهذا الأمر يثير القلق بشكل خاص بالنظر إلى التحول المستمر في القوة العسكرية العالمية، والمتجسد في تراجع الإنفاق الدفاعي الأوروبي بالمقارنة مع إنفاق الولايات المتحدة أو قوى صاعدة أخرى. وفي حين يرى البعض أن التحدي الأمني الأهم الذي يواجه الغرب، هو ارتفاع مستوى الديون في أوروبا والولايات المتحدة، فإن البعض الآخر لا يرى موجبا للقلق إذا ما أنفقت الدول الأوروبية أموالا أقل في مجال الدفاع، لان ذلك يعكس واقع أوروبا ككل، كقارة حرة وتنعم بالسلام.

وفي الحقيقة فإن وجهتي النظر تلك فشلت في الأخذ بعين الاعتبار ثلاث حقائق هامة: أولا، إن القوة العسكرية لا تزال مهمة على المسرح الجيوسياسي للقرن الحادي والعشرين، حيث تحديات أوروبا الأمنية تتضمن نزاعات في جوارها مثل ليبيا, والإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والحروب الإلكترونية.

ثانيا، إن قوى اقتصادية وعسكرية جديدة مثل البرازيل والصين والهند تدخل الميدان حاليا، ومن الخطأ افتراض أنها تشكل تهديدا عسكريا. فمصالح هذه الدول محدودة في قلب النظام الدولي الذي بنت ازدهارها عليه، وعلى النقيض من ذلك، يتعين على أوروبا أن ترحب بما يمكن إن تقدمه عسكريا للأمن الدولي.

وإذا كانت أوروبا تتسبب بفجوة أمنية، فبإمكان تلك القوى نظريا تقليصها. لكن من غير المرجح أن تتشابه معها، لأن مصالحها ومصالح الغرب قد لا تلتقيان، ومن غير المؤكد بان تلك القوى الصاعدة تملك المقاربة نفسها فيما يتعلق بالتهديدات الأمنية.

ثالثا، إن الشراكة عبر الأطلسي تبقى المحرك الرئيسي للأمن الدولي. ولقد كانت ناجحة في مشاركة أهدافها وقيمها وكانت تتباهى بالإنتشار السريع لقواتها العاملة معا، لكن الولايات المتحدة تواجه مشكلات في الميزانية حاليا، وكما أظهرت الحالة الليبية، فإن واشنطن لن تأخذ زمام المبادرة بإبراز قوتها دائما.

 

العمل سوياً

ان الحل الجلي للمشكلات الأمنية دوليا هو أن تنفق الحكومات الأوروبية على الدفاع بصورة أكبر، لكن هذا الأمر غير مرجح في ظل البيئة الاقتصادية القائمة، وبالتالي، يرتبط التقدم إلى الأمام بالإنفاق الأفضل أكثر منه بالإنفاق الأكثر.

أولا، ينبغي على أوروبا المضي في مسار "الدفاع الذكي"، أي بناء القدرات الأمنية للأطراف كافة بالعمل سويا وبمرونة أكثر، مع تشجيع التعاون المتعدد الجنسيات، وفيما تزاد أسعار المعدات العسكرية ارتفاعا، فإن الدول الأوروبية تكافح لتحمّل تكلفة نظام أسلحة متطور كما في ليبيا.

ويتعين على الدول الأوروبية العمل كتكتلات صغيرة لتجميع مواردها في خدمة التحالف ككل. ويمكن ل"ناتو" أن تلعب دور الوسيط لجمع الدول معا وتحديد ما يمكن أن تفعله بكلفة أقل، وبكفاءة أعلى، وبمخاطر محدودة.

ثانيا، بإمكان الدول الأوروبية المساعدة في جسر الهوة مع الولايات المتحدة بزيادة مساهمتها بعاملين، هما انتشار القوات واستدامتها، والحسم السياسي لاستخدامها. وفي سبيل ذلك، يتعين على الطرفين تقوية روابطهما ومناقشة القضايا المثيرة للقلق الاستراتيجي المشترك. ويتعين بذل جهود خاصة لضمان تعاون "ناتو" والاتحاد الأوروبي على نحو وثيق. ثالثا، يتعين على أميركا وأوروبا أن تعملا بشكل وثيق مع القوى الناشئة.

ولن يكون الأمر سهلا، لذا فإن بناء الثقة بينهما هو أمر ضروري. ويمكن أن يبدأ هذا بتعزيز الحوار، كما يمكن ل"ناتو" ان تعمل على شبكة الشراكة الواسعة القائمة التي بنتها، بالإضافة إلى استشارة قوى رئيسية ناشئة.