انقضت أربعة أشهر منذ قرر أبناء الشعب الليبي أنهم لن يحرموا بعد الآن من خياراتهم الأساسية، وانقضى أكثر من 90 يوما على العمليات العسكرية التي يخوضها حلف "ناتو"، والتي حالت دون وقوع مذبحة وحشية في بنغازي، وأوقفت نوعية المذابح التي شهدناها في سربرنيتشا في 1995. ومنذ البداية كان لهذه العمليات هدف واحد هو حماية المدنيين من الأعمال الإجرامية التي يرتكبها نظام الرئيس الليبي معمر القذافي، وقد أنقذت تحركاتنا أرواحا بلا حصر. وفيما نحتفل بهذا المعلم المهم ونتأمل في التقدم الذي تم إحرازه، فإن من الواضح أن تحركنا لا يزال ضروريا ومشروعا وصحيحا.
لقد كنا واضحين منذ البداية وقلنا إننا سنقف إلى جانب الشعب لليبي ليحقق تطلعاته المشروعة. وقد قمنا بذلك من خلال العمليات العسكرية حول بنغازي ومصراطه وغيرهما من المدن الليبية. كما قمنا بذلك من خلال زيادة الضغط الاقتصادي والدبلوماسي والسياسي على نظام القذافي. وفرضت الأمم المتحدة عقوبات شاملة على النظام، وجمدت أرصدته المالية وفرضت حظرا على السفر إلى ليبيا ومنعت القذافي من الحصول على الأسلحة والنفط اللذين يحتاجهما لمواصلة حملته العسكرية.
وتم إسكات قنوات البث بالأقمار الصناعية التي تبث دعاية النظام الليبي، وترفض الدول استقبال مبعوثي النظام، وتم طرد الدبلوماسيين الذين يقفون إلى جانب النظام، وأصدر المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية أمر اعتقال بحق قادة عصابة النظام بمن في ذلك القذافي نفسه، والوقت ضدهم، وهو يعمل لحساب شعب ليبيا.
من الواضح مع مرور 90 يوما على بدء عمليات "ناتو" في ليبيا أن هذه الاستراتيجية واسعة النطاق تأتي أكلها وتشكل بداية النهاية لنظم القذافي. وعلى امتداد ليبيا تواجه قوات القذافي جهودا لردها على أعقابها، وقد تم التخفيف من المعاناة الرهيبة لأبناء مصراطة، ودفعت المعارضة أخيرا أنصار القذافي إلى خارج ضواحي مدينة الزاوية، ومـُنع النظام من إعادة الاستيلاء على المعابر الحدودية المهمة إلى تونس في غربي ليبيا.
والحلقة الداخلية المقربة من القذافي آخذة بالتداعي من حوله، وبعد سلسلة من استقالات الوزراء البارزين، تخلى 10 من كبار ضباط الجيش، أخيرا، عن النظام، الأمر الذي بعث برسالة واضحة إلى القذافي مفادها أنه ما عاد يمكنه الاعتماد على عسكرييه، فمن يهتمون بليبيا قد هجروه بالفعل.
روح جديدة
لقد قمت بزيارة بنغازي أخيرا للقاء الشخصيات البارزة في المحلس الانتقالي الوطني المعارض وشاهدت خلال زيارتي ليبيا مختلفة عن تلك التي خضعت للطغيان خلال سنوات القذافي وشاهدت رؤية مختلفة لليبيا منفتحة وتعددية وديمقراطية تعتمد على ثروة من المصادر الطبيعية للبلاد وقوة شعبها، ورأيت مجتمعا مدنيا مزدهرا ولد من رحم الرغبة في مستقبل أفضل.
وسمعت نداءات وشاهدت طموحا جارفا لقيام الليبيين على امتداد بلادهم بتأمين طريقة حياة جديدة متحررة من إرهاب الشرطة السرية والفلسفة السياسية الزائفة والاقتصاد الذي توجهه الدولة، ورصدت حنينا عميقا إلى هذه التغييرات التي نرى التعبير عنها على امتداد العالم العربي، ورأيت روح الربيع العربي ذاتها في ليبيا. إن هذه الروح ينبغي ألا تخنق، وعلينا أن نكثف جهودنا لضمان أن تتحقق من قبل كل الليبيين، ولكن للوصول إلى هذا الهدف فإن المجلس الانتقالي والشعب الليبي يطلبان الدعم الدولي، وهما يطلبان التمويل لتلبية الاحتياجات الأساسية.
فقد استنزف اقتصاد القذافي الذي توجهه الدولة عائدات الاقتصاد الليبي وحولها إلى أرصدة مصرفية خارجية تم تجميدها وفقا للعقوبات التي فرضها مجلس الأمن. والوضع المدني في البلاد يعني أن المعارضة ليس بإمكانها أن تضخ النفط لتحصل على دفق يمكن الحفاظ عليه من العوائد النفطية، وأنا أهيب بكل أولئك الذين يردون رؤية تغيير في ليبيا أن يساهموا في الصندوق المؤقت الذي أعلنت عنه مجموعة الاتصال أخيرا في أبو ظبي.
تراجع واضح
فيما نظام القذافي يتهاوى، نظل بحاجة إلى مواصلة الضغط عسكريا واقتصاديا ودبلوماسيا، وكل دولة ومنظمة دولية تجلب قوى مختلفة إلى الحملة، ويتواصل دور "ناتو" كونه دورا محوريا، وهو المنظمة الوحيدة التي تتمتع بالفرادة والقدرة العسكرية على الحركة، ولكن مهمة الحلف لن تكون ممكنة من دون الأصول العسكرية الفريدة والثقل السياسي الذي تتمتع به الولايات المتحدة، ومنذ البداية اضطلعت بريطانيا بدور رائد في كل من الحملتين العسكرية والدبلوماسية في ليبيا .
وقد أضفنا الآن هليكوبترات الأباتشي إلى قائمة القدرات المتاحة لحلف ناتو، وسوف تواصل بريطانيا تحمل مسؤوليتها عسكريا، وكذلك في الاضطلاع بالجهود الدبلوماسية من خلال مجموعة الاتصال الليبية، وعن طريق تقديم الدعم بالمواد غير القاتلة للمعارضة، وعلينا جميعا تصعيد الضغط والإبقاء على إصرارنا على أن تكون هناك ليبيا التي يريدها شعبها والتي يستحقها.
