يزين علم فرنسي واجهة صف من المنازل في شارع خلفي في مرسيليا، وهو المكان الذي اختاره الثوار في عام 1792 لكي يرددوا لأول مرة نشيد الثورة الفرنسية «المارسيلييز» ضد الطغيان. وقد جرى افتتاح النصب التذكاري للنشيد هذا الربيع كمعلم للحرية، مجسداً حق الناس في التعبير وفي تقرير مصيرهم وانتخاب حكوماتهم، ولتبني الرؤية الرسمية لفرنسا لذاتها باعتبارها حامي الحرية والمساواة والإخاء، حيث تباع قمصان مكتوب عليها شعارات ثورية من قبيل «إلى السلاح أيها المواطنون!» و«تحيا الحرية!» في متجر التذكارات.

لكن في جوار هذا النصب حيث الأحياء المكتظة بالعرب، كان التركيز يجري على الثورات الأحدث التي تندلع في الجهة المقابلة من البحر المتوسط. وكان التلفاز في متجر البقالة يتابع آخر التطورات في مصر على قناة الجزيرة، حيث كان يمكن رؤية ملصقات ممزقة تدعو لتجمع لتحرير فلسطين.

في حين كان متجر المكالمات التليفونية الخارجية مليئا بالعوائل التي تتصل بالديار في المغرب بحثا عن أخبار جديدة. وبالنسبة لعبد القادر، أمين الصندوق في متجر المكالمات الهاتفية والبالغ من العمر 20 عاما، لا يعني له نشيد الثورة الفرنسية شيئا، بل على نحو أسوأ حيث يقول أنا لا انشد نشيد الثورة الفرنسية وكيف لي ذلك وكلماته المسيئة تقول: (دعوا الدماء غير الطاهرة تروي أخاديدنا).

 

الثورة في الداخل

ان نظرة أوروبا لنفسها كمملكة للحرية جرى تلميعها طويلا في مقابل المنظور المقابل للعالم العربي كأرض للطغيان والركود. لكن الربيع العربي غير كل شيء، وفجأة انهارت الصيغة القديمة، ولم يعد لأوروبا الاحتكار المتوسطي السابق للحرية والديمقراطية.

ان المتظاهرين المصريين الذين اسقطوا الرئيس المصري السابق حسني مبارك خلال 18 يوما بدوا اكثر كفاءة من نظرائهم في إيطاليا، حيث محاكمات الفساد لرئيس الوزراء سيلفيو برلسكوني لازالت تراوح مكانها. ويأتي السعي العربي من أجل الحرية في لحظة يشعر فيها العديد من العرب الأوروبيين بأن حرياتهم مقيدة، إما بسبب المنع الفرنسي للنقاب أو بسبب ارتفاع الأصوات المعادية للمهاجرين في خطابات الزعماء السياسيين.

ويتهم العرب أوروبا والولايات المتحدة بتمكين طغاة الشرق الأوسط على امتداد وقت طويل. ويعترف ستيفان فول المفوض الأوروبي لسياسة التوسع والجوار الأوروبي «علينا إظهار تواضعنا حيال الماضي، والعديد منا وقع فريسة الزعم بأن الأنظمة المستبدة كانت ضمانة للاستقرار في المنطقة». لقد قوضت سنوات من العلاقات الحميمة مع الدكتاتوريين، مثل الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي والرئيس المصري السابق حسني مبارك، من مزاعم أوروبا بأنها نصيرة الديمقراطية، وقد احب رجال الأعمال الأوروبيون عقد صفقات مع السياسيين المطلعين على بواطن الأمور.

وإذا كانت سمعة أوروبا بين العرب قد تلطخت بسبب علاقاتها بالأنظمة القديمة، فبالكاد برأتها ردود أفعالها تجاه الربيع العربي. وكان يجب ان تكون هذه اللحظة متألقة بالنسبة لأوروبا. بناء المجتمعات بعد الحروب، الشيوعية أم الطغاة: هذا ما تحسن أوروبا صنعه. لكن في الوقت الذي أدى انهيار الاتحاد السوفييتي في 1989 إلى إظهار قدرة أوروبا على التوسع واحتضان جيرانها، فإن الربيع العربي جعلها تبدو عاجزة وخائفة ومرتبكة.

 وكما إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، كانت الحكومات الأوروبية بطيئة في تبين مدى قوة حركات الاحتجاج، وانتظرت طويلا قبل ان تساندها. يقول رايم علاف وهو خبير في الشؤون العربية في مركز الأبحاث البريطاني «تشاثم هاوس»: في البداية، كان رد الفعل الأميركي والأوروبي مترددا وغير مناسب على الاطلاق، والآن بعد أن استعادوا رشدهم باتوا يفكرون بمصالحهم. وأتساءل ما إذا كان الأفضل لهم ان يبقوا صامتين.

وعندما قام الطغاة مثل الرئيس التونسي السابق بن علي والعقيد الليبي معمر القذافي بقمع المحتجين، مادفع بالعديد للفرار عبر المتوسط بحثا عن ملجأ، فإن قلة من الأوروبيين أظهرت تعاطفا حقيقيا. لكن حججا كتلك لا تؤثر في العرب الذين يشيرون إلى مصر وتونس وهما اكثر فقرا من فرنسا وإيطاليا وتعانيان من مشكلات هائلة، لكنهما استقبلتا اكثر من 100 الف لاجئ فروا من الحرب الليبية.

والحرية لا تعني إيجاد عمل كريم فقط، وفي ظل الالتزام الفرنسي المتزمت بالعلمانية، يمكن للحرية أن تعني نقصا في حرية الفكر والتعبير. ويتحدث زروالي عن فتيات يكشفن عن حجابهن على أبواب المدارس للالتزام بالقوانين الفرنسية المتعلقة بالرموز الدينية، ليجري توبيخهن بسبب لباسهن.

ويقول إن فتى مسلما يعرفه كتب مقالة مثيرة للإعجاب عن شعر فيكتور هوغو، فإذا بأستاذه ينتقده لتناوله الإسلام في قاعة الدراسة. وكان عرب أوروبيون قد شعروا بأن حرياتهم قد كبتت بسبب اليد الطولى لأجهزة الأمن التابعة للطغاة العرب.

وفي فرنسا، جرى إكراه المجتمع التونسي على الصمت بسبب شبكة بن علي من المخبرين. يقول احمد ناضر من مجلة «مدينة مرسى» الإلكترونية: لقد حافظوا على صمتهم، وربما باعوا معلومات، لأنهم كانوا خائفين على عائلاتهم في تونس. وكان الليبيون قد أجبروا على الصمت أيضا خلال حملة «الكلاب الشاردة» للقذافي في الثمانينات، عندما قام مخبروه بقتل المنشقين الليبيين الذين يقيمون في أوروبا.

 

تغيير في السلوك

كل هذا بدأ يتغير مع بدء الاحتجاجات المعادية للأنظمة في شمال افريقيا. يقول عبدالله لوسيان، الذي ترعرع في لندن ومالطا من أب ليبي قطع كل علاقاته مع ليبيا: نحن لا ندخل في علاقات اجتماعية مع ليبيين آخرين بتاتا، ولا نتحدث أبدا في السياسة حتى بين الأصدقاء، ويضيف: بدءا من هذا الربيع، التقيت بأعداد من الليبيين لم أكن أعلم بوجودهم هنا. الجميع يتحدث بحرية الآن.

ولقد عاد العديد من العرب الأوروبيين إلى ارض أجدادهم للمشاركة في الاحتجاجات، وبقي البعض منهم لإعادة البناء. وقد ترك أربعة وزراء في المجلس الحالي التونسي وظائفهم في مصارف لندن وباريس في سبيل تأسيس الحكومة الجديدة.

وهناك مجموعة جديدة من التونسيين الفرنسيين برزت أخيرا لتشجيع الأعمال والمصالح السياسية، بما في ذلك حق المغتربين في التمثيل برلمانيا في تونس. يقول فنسنت غيسر الخبير الفرنسي في السياسة المغربية: الفاصل الحقيقي هو عبر الأجيال، وفيما الجيل القديم ينصب اهتمامه على فرنسا، فإن الأجيال الأصغر سنا تتطلع الآن إلى تونس.

ويعزى هذا في أحد جوانبه لأنهم بعكس أهاليهم ترعرعوا في عالم الهواتف المحمولة ورحلات الطيران الرخيصة والإنترنت، ويقول ميشال برالدي وهو أنثروبولوجي اختصاصي في الاقتصاد السياسي للبحر المتوسط: بسبب موقعي تويتر وفيسبوك، أصبحت العلاقات التي تربط بين الذين هم في الشتات وبلدانهم الأصلية دائمة.

ويقول طارق قلبي البالغ 31 عاما من العمر وهو مهندس مروحية في مرسيليا من أبوين تونسيين انه حصل على أخباره الثورية من موقع قناة تغطي أحداث الانتفاضة التونسية. وانه أسس مجموعة في سبيل حشد دعم فرنسي للثوار، وتنظيم مظاهرات في مرسيليا عبر الرسائل النصية وفيسبوك. وبعد سقوط الرئيس بن علي، أسس مؤسسة صغيرة لا تتوخى الربح على الإنترنت لبناء مدارس في تونس.

لكن ليست الأخبار من المغرب فقط هي التي تثيره، حيث يشير إلى أن الربيع العربي قد رفع التطلعات والآمال بين العرب الفرنسيين الشباب بأن التغيير ممكن في شمال البحر المتوسط. ويضيف: بعد أن شاهدنا ما حصل في تونس، كانت هناك فكرة ما يمكننا ان نفعل في فرنسا؟.

ولم يكن يدور في أذهانهم انتفاضة على مثيل ساحة التحرير، يقول قلبي: ربما بإمكاننا إحداث تغيير الآن بعد ان باتت مشاعر التونسيين الفرنسيين اقل تكتما واكثر فخرا. ويأمل ان يتحدث هؤلاء عن قضايا يشعرون أنها تستهدفهم مثل منع النقاب والجدل القومي الذي اثاره الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي حول العلمانية.