يشعر كثير من الأميركيين بالانزعاج عن حق مما حصل خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث تتحكم في أميركا ثقافة من الخوف مع بلاغات منتظمة عن فرق ضاربة تركل الأبواب الخاطئة في منتصف الليل. وأخيرا، فإن بنوداً مشكوكا بأمرها في قانون المواطنة الأميركي قد جرى تمديد العمل بها لأربع سنوات إضافية، من دون أي نقاش مطلقا.
وهذا يعني بأن العديد من الحريات التي يكفلها الدستور والتي كانت تؤخذ كأمر مسلم به لأكثر من 200 سنة جرى رميها أخيرا في مزبلة التاريخ. وارتبط ذلك في الوقت نفسه بسلسلة من الوقائع الغريبة في إطار السياسة الخارجية الأميركية، وخاصة في إطار الحرب على الإرهاب.
العمليات الطارئة
وهناك خطر كبير من أن تزداد " العمليات الطارئة في الخارج" كما تشير إدارة أوباما في إطار الحرب على الإرهاب. وسيتيح بند في اعتمادات قانون مشروع الدفاع الحالي المقدرة بـ 690 مليار دولار، والذي يشار إليه باسم "التفويض باستخدام القوة العسكرية"، سيتيح هذا البند للرئيس بشن الحرب ضد أي يكن وفي أي مكان، من دون أي موافقة من قبل الكونغرس، مما يشكل توسيعا لصلاحيات السلطة التنفيذية، علماً أن المشرعين أذنوا بشن الحرب لملاحقة القاعدة في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لكن الأمر لم يعد الآن يقتصر على القاعدة، وبالأخذ بعين الاعتبار المرونة التي يجري بها تعريف العدو.
فإن ذلك يعني ان الحرب على الإرهاب سوف تستمر إلى الأبد. ويكفي وجود أي مجموعة أو شخص لإبقاء النزاع الدولي قائما، ويقول عضو الكونغرس باك ماكيون، وهو الذي صاغ هذا البند: "إن التهديد الذي تشكله خلايا القاعدة في اليمن وأفريقيا يؤكد الطبيعة المتطورة والمستمرة للتهديد الإرهابي على الولايات المتحدة".
ويتوجب علينا كأميركيين أن نحدد طابع البلاد التي نصبو إليها. وكان تشالمرز جونسون قد أوجز المأزق قائلا: "يمكن للأمة ان تكون واحدا من شيئين، إما ديمقراطية أو إمبريالية، ولكنها لا يمكن ان تكون الاثنين معا. إذا ما التزمت بمشروع إمبريالي فسوف تخسر ديمقراطيتها كما حصل للجمهورية الرومانية القديمة والتي جرى بناء نظامنا على غرارها".
هل يمكن ان يحدث هذا الأمر في أميركا؟ من الأفضل ان نصدق ذلك. وهناك العديد ممن يصفون أنفسهم "محافظين" يدعمون التقدم الثابت نحو الدولة البوليسية. لكن ليس ضروريا ان يحصل هذا، إذا ما بقينا أوفياء لطابع الأمة التي تخيلها ورسمها لنا الآباء المؤسسون، سيكون لدينا أرض تنعم بالسلام مزدهرة ومعتبرة ومستعدة للدفاع عن نفسها، إذا ما تعرضت لهجوم، لكنها في المقابل غير مهتمة إلى حد ما بمؤامرات الدول الأخرى. وإذا ما قررنا بالمقابل أننا نريد أن نستمر كلاعبين في السياسة النكدة غالبا للأمم الأجنبية، فيتعين علينا أن نقبل بأن هناك ثمنا لا بد من دفعه داخليا ودوليا على حد سواء.
سوف نكون أكثر فقرا، وستكون حرياتنا مهددة، وسوف نتعرض للكراهية حول العالم، وهذا الوضع يماثل أساسا الوضع الراهن المدعوم من قبل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. ويرى النقاد أن الولايات المتحدة وبفضل الطريقة التي تشكلت بها ستميل بثقلها اكثر نحو عدم التدخل كسياسة مفضلة لها. ويقال إن التفسير الأبسط هو عادة الجواب الصحيح، وإذا ما طبقنا هذه المسلمة على السياسة الخارجية الفاشلة لأميركا.
والتي افترضت أن لواشنطن حق التدخل في العالم من أجل إسقاط الأنظمة، فإننا نكون قد أقررنا بالفشل وبضرورة التغيير. لكن ما نراه يشير إلى العكس، حيث هناك مضاعفة للرهان على الرهانات الخاسرة، مع قيام الرئيس الأميركي باراك أوباما بالمضي في السياسات المشكوك بأمرها من سنوات بوش، بل حتى توسيعها. والسؤال الوحيد المطروح الآن: من هو التالي، هل ستكون سوريا أم إيران أم اليمن أم الصومال؟
سياسة متصدعة
وإذا كان التدخل الخارجي قد نجح، فإن البرهان الذي يدعم وجهة النظر تلك ضعيف جدا. ويتوجب على أولئك الذين يدعمون أجندة أميركية إمبريالية ودولة أمنية تدخلية أن يفسروا لنا جميعا ما جرى جنيه من كل المغامرات الخارجية والتضحيات بالحريات التي كفلها الدستور خلال السنوات العشر الماضية.
إن الحكومة الفيدرالية هي أكبر بضعفين الآن عما كانت عليه في 2001 بسبب التورط الخارجي الأميركي والإفراط في التخوف من الإرهاب. والدين الوطني قد انتفخ للأسباب نفسها، أما الحريات فقد جرى التضحية بها.
وهذا يعني انه يتوجب عليها معالجة السبب من جذوره، والذي هو سياسة خارجية خارجة عن السيطرة وإمبريالية جرى تبنيها من قبل الحزبين السياسيين الرئيسيين. لذا آن الأوان للقيام بأمور عدة: أولا الإقرار بأن السياسة الخارجية المتصدعة، والخوف من الإرهاب المبالغ فيه، قد جلبا معهما شرورا كثيرة، بما في ذلك اقتصاد منهار ودولة بوليسية زاحفة. والإقرار بالمشكلة والاعتراف بها سوف يسمحان لنا القيام ببعض الإصلاحات.
وعلينا العمل على عودة الجنود إلى أميركا والتوضيح لباقي العالم بأن الولايات المتحدة لم تعد تسعى إلى التدخل لإصلاح مساوئ الحكم لدى الآخرين. وعندها يصبح بإمكاننا كشعب البدء بالاستجابة لما يحصل بشكل خاطئ في أميركا. إلغاء قانون المواطنة وقانون اللجان العسكرية كبداية، ثم كبح جماح التنصت على المكالمات الخارجية بدون مذكرة قضائية من قبل وكالة الأمن القومي.
ثم إغلاق معتقل غوانتانامو لاستعادة قاعدة سلوك مفادها أن إرسال الناس إلى السجون لا يتم إلا بعد محاكمة عادلة. ان إعادة حكم القانون وإخراج الحكومة الفيدرالية من الحياة الشخصية للأميركيين سيكون المنشط لأميركا، لكن كل هذا يجب ان يبدأ برفض سياسة التدخل، وهذا هو مفتاح الحل.
