عند طرف قاعدة هامر للعمليات المتقدمة، حيث عشت المدة الأكبر من سنة خدمتي في العراق كقائد فريق إعادة إعمار الأقاليم الذي يعمل لحساب وزارة الخارجية الأميركية، كانت هناك تلال صغيرة وكتل من التراب وسط الصحراء المنبسطة.
وفي الليل عندما تكون منطقة التلال تلك شديدة السواد، كنا نتجنب الضوء الاصطناعي، كي لا نعطي المسلحين أهدافاً سهلة، ونستعيد ذكريات الأحداث التي سبقت الغزو الأميركي التي تكاد تنسى، ومنها التهديدات السخيفة حول أسلحة صدام حسين التي تندرج في أسلحة الدمار الشامل، وأكاذيب وزير الخارجية الأميركي الأسبق، كولن باول، التي أطاحت بهيبته وهيبة أميركا في الأمم المتحدة، وأيام شعار «المهمة انتهت» عندما هدم المارينز تمثال صدام حسين عقب غزو بغداد، والأيام الأكثر سواداً عندما انهار المجتمع المدني، وتحول العراق إلى الحرب الأهلية، والجولات التي لا تحصى للانتخابات المدارة من وراء الكواليس، والزيادة في أعداد القوات الأميركية والطريق المسدود الذي تبع ذلك، وما تلا ذلك من انطفاء لوهج الغزو مع قيام الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بالتفاوض بشأن انسحاب كامل للقوات الأميركية من العراق بنهاية 2011 وما بدا أنه النهاية لأحلامه في عصر أميركي للسلام في الشرق الأوسط الكبير.
الآن، مع بقاء اقل من سبعة شهور على لحظة الانسحاب، تدرس واشنطن ما إذا كان يتوجب عليها أن تحترم الاتفاقية، أو - التمني لو تستطيع الحصول من الحكومة العراقية على طلب بالبقاء - ترك وحدة من الجنود ذات حجم لائق لتحتل بعضاً من القواعد الهائلة التي بناها البنتاغون بأمل احتلال دائم.
والقصة التي سوف تحتل صفحات الجرائد في الأشهر المقبلة، هي دون شك الجدل حول ما إذا كانت مدة ثماني سنوات من الحرب، تخول الجيش الأميركي بعض الحقوق في امتلاك الأرض بوضع اليد عليها.
النهاية المراوغة
حتى لو غادر الجنود الأميركيون العراق في النهاية، يبقى السؤال: هل هذا سينهي الاحتلال الأميركي للعراق؟
وبعد تأسيس دكاكين في البدء في أماكن مختارة من قصور صدام حسين الشبيهة بأفلام ديزني (وهو من اكثر التحركات غباء في العلاقات العامة على الإطلاق)، وضعت خطط لبناء سفارة تكون جديرة بحال التفاؤل والتبجح الأقصى الذي ميز الغزو نفسه. وعلى الرغم من ان الحصول على صور من داخل مجمع السفارة هو رسمياً غير مسموح لأسباب «أمنية»، فإن بحثاً على محرك غوغل يظهر بسرعة الكثير، بما في ذلك بعض الخطط المعمارية الأولى لهذا المجمع العملاق.
إن التفاؤل الأعمى لتلك اللحظة جرى تجسيده كأفضل ما يكون، في بناء المدرسة الدولية في زاوية من مجمع السفارة. وعلى الرغم من أن تمرداً أشبه بحرب أهلية عنيفة وضارية كانت تشتعل في العراق حينها، كانت الفكرة وراء بناء المدرسة تعيين عائلات دبلوماسية بسرعة في بغداد.
كما تم بناء شقق عدة، كل واحدة منها مجهزة بمجموعة كاملة من الأجهزة الأميركية بما في ذلك غسالات الصحون، توقعاً بأن تلك العائلات سوف تقوم بالتسوق في متجر «سيفوي» في مدينة الصدر القريبة. هذا عوضاً عن بناء ممرات واسعة، تظللها الأشجار ويجري تزيينها بمقاعد من الحجارة، وهذه لم يجر تنفيذها بنهاية المطاف، لكنها كانت جزءاً من المخطط الإجمالي لنجاحنا، وتسخر الآن من غطرستنا السابقة.
لكن مخططي السفارة، في ارض الخيال التي كانوا فيها، لم يستطيعوا إغفال وقائع الفوضى الزاحفة في العراق، فالمجمع سيتولى تطهير مياهه وتوليد كهربائه وإجراء عمليات الصرف الصحي، وضمان صموده في وجه أي حصار، مع تملص أميركا في الوقت نفسه من ورطة إصلاح مثل هذه الخدمات الأساسية في بغداد.
وفي الوقت الذي ترتفع الجدران العالية المعقودة فوقها الأسلاك الشائكة، فإن مجموعة البوابات ونقاط التفتيش تزداد تعقيداً وتشبيكاً في المخطط، ولم يقف المعماريون هنا بل بنوا كافتيريا ومقصورات داخل المباني المدرسية وثبتوا ألواحاً زجاجية مقاومة للرصاص على كل نافذة. ان مساكن السفارة البالغ عددها 4 آلاف هي حالياً مكتظة، وتحتاج المحولات الكهربائية التي تعمل على مدار الساعة، إلى تطوير وإضافة وحدات جديدة قريباً لمجرد إبقاء الأنوار مضاءة.
كذلك، يوشك طاقم السفارة على أن يتضاعف عدده، ولاستيعاب طواقم إضافية تنطوي احدى الخطط على مشاركة الأسرّة وتبادلها خلال النوبات الصباحية والمسائية. كما أن السفارة ستحتاج قريباً إلى مستشفى على أرضها، إذا ما غادر الجيش الأميركي فعلاً وأخذ معه مرافقه الطبية.
جيش من إلى جانبك؟
وتحتاج القلعة إلى حراس، ويحتاج المحتل إلى قوات معتدية. وسوف يجري تقسيم جيش وزارة الخارجية إلى جزأين: جزء يحرس المرافق الثابتة مثل السفارة، وجزء آخر يحمي الدبلوماسيين الذين ينطلقون في مهام جمع العراقيين لإدارة البلاد.
ويشير التقرير إلى أن الوزارة سوف تحتاج لبناء أماكن لهبوط الطائرات وحظائر للصيانة ومبان للعمليات وأبراج للتحكم بحركة الطيران، بالإضافة إلى نظام طيران لوجستي مستقل للصيانة والتزود بالوقود. ويتعين على الدبلوماسيين أيضاً الإشراف على ذلك.
كم تبلغ الكلفة؟
وبالنظر إلى الكلفة، فإن 74% من تكاليف التشغيل للسفارة في بغداد سوف تذهب للأمن. وقد طلبت الوزارة من الكونغرس 2.7 مليار دولار للعمليات في العراق خلال السنة المالية 2011، لكنها حصلت على 2.3 مليار دولار فقط. ومقابل احتمال مواجهة عالم خطير وحدها خلال السنة المالية 2012، قامت بطلب 6.3 مليارات دولار للعراق. ويتوجب على الكونغرس أن يقرر ماذا سيفعل. ولوضع هذه الأرقام في منظورها الصحيح، فإن الميزانية التشغيلية الإجمالية لوزارة الخارجية لهذه السنة هي فقط 14 مليار دولار (كلفة إدارة المكان مع غياب أموال المساعدات الخارجية) وبالتالي 6.3 مليارات دولار لسنة إضافية واحدة في العراق هو جزء من تغيير حقيقي.
يبقي السؤال: لماذا؟
ولا يتعين سوى اختيار مجموعة من الأميركيين (غير المقيمين بواشنطن على المستوى الرسمي) وتوجيه السؤال إليهم بخصوص العراق وإذا كان يشكل الأولوية الأكثر أهمية في السياسة الخارجية بالنسبة لأميركا، ويستحق بالتالي أن تكون سفارتنا الأكبر بطواقمها الضخمة هناك وبأكبر ميزانية على هذا الكوكب.
هل يهدد العراق أمن الولايات المتحدة؟ هل يسيطر على مصادر مهمة لنا؟ (نعم لديه الكثير من النفط في جوفه، لكنه ينتج القليل منه). هل العراق شريك في تحالف دولي نحتاج إلى تدميره؟ هل من دكتاتور شرير أو أسلحة دمار شامل؟ هل يحتفظ العراق بتريليونات من الدولارات من الدين الأميركي؟
بعد ثماني سنوات كارثية من غزونا له، إنه أمر حزين لكنه صحيح بالإجمال، وهو ان العراق لا يهمنا كثيراً في النهاية. والأمر المريع هو أننا فقدنا 4459 من الأرواح الأميركية وتريليونات من الدولارات وأشرفنا على مصرع على الأقل 100 ألف وربما مئات الألوف من العراقيين باسم الحرية. ويبقى أمامنا الآن نقاش واحد ألا وهو موضوع نقل واجباتنا الاحتلالية من وزارة الدفاع إلى وزارة الخارجية: أمر محير يخص «استثمارنا في الدم والكنز»، وعلى المرء أن يسأل: أي إنجاز نقوم بحمايته؟
كان هدف الحرب في البداية وقف استخدام أسلحة الدمار الشامل ضدنا، ولم يكن هناك أي منها، وبالتالي شطبنا هذا الهدف من اللائحة، ثم كان التخلص من صدام وقد تم شنقه في 2006، وبالتالي يمكن شطب هذا الهدف أيضاً. وفي وقت متأخر من اللعبة أصبحنا منشغلين بتأمين عراق «حر». وكانت لدينا مجموعة انتخابات وهناك حكومة في المكان للبرهان على ذلك وبالتالي هذه أيضاً تم إنجازها.
وما يلي ذلك لن يكون «استثماراً» بل مزيداً من التبديد. ولن يحررنا من الورطة التي نحن فيها، تغيير القوات المحتلة من جيش أميركي منهك، وهو الذي عمل لسنوات في ظل معالجة دبلوماسية بليدة (بشرب فناجين لا تحصى من الشاي العراقي) إلى وزارة خارجية متعسكرة حديثاً. وفي حين لا شيء سوف يزيل لطخة الغزو، لكننا إذا تركنا فعلاً في التوقيت الذي وعدنا فيه، قد تكون هناك فرصة عابرة لأميركا بإطلاق رواية جديدة في الشرق الأوسط الذي يعيش تحولاً بسبب الربيع العربي.
إجراءات أمنية مكثفة
بالنسبة للإجراءات الأمنية الثابتة وغير المتحركة في السفارة الأميركية ببغداد، فإن شركة تدعى «أس أو سي» سوف تحرس مرافق السفارة مقابل 973 مليون دولار على مدى خمس سنوات. كما سيحظى ذلك الحصان الحربي القديم المستخدم سابقاً «بلاك واتر» (والذي يدعى الآن «أكس إي»)، المسجل تحت اسم شركة وهمية جديدة، بحصة من العمل وقطعة من كعكة الأموال، وسوف يتبع الشركة الأمنية الرائدة ويوظف تقريباً على وجه الحصر أوغنديين وبيروفيين يجري نقلهم إلى العراق خصيصاً لهذا الهدف.
وللأسباب نفسها، سيقوم المكسيكيون بقص الأعشاب، والهندوراسيون بتنظيف غرف الفنادق، وسيأتي حراس السفارات من بلدان ذات فقر مدقع، وسيدفع لهم بناء على ذلك نحو 600 دولار في الشهر. أما المشرفون الأميركيون، فسيحصلون في المقابل على 20 ألف دولار من الضرائب شهرياً. ويحصل معظم الحراس الأوغنديين والبيروفيين على وظائفهم من خلال وسطاء كريهين (قوادون وتجار رقيق) يستقطعون من رواتبهم الهزيلة تكاليف «تجنيدهم» ما يترك العديد منهم على أكثر بقليل من الخدمة بالسخرة.
وفيما يغادر الجيش الأميركي جزئياً أو كلياً بنهاية السنة، ستحتاج مجموعة من الأصول الجوية المستخدمة إلى عملية استبدال. ويقول تقرير نشر حديثاً من قبل مكتب وزارة الخارجية إن الدبلوماسيين سيكون لديهم في المستقبل أسطول جوي مكون من 46 طائرة بما في ذلك اكثر من 38 مروحيات بين متوسطة وخفيفة، بالإضافة إلى طائرات صغيرة الحجم تستوعب 50 راكباً.
لوجستية
إن السفارات هي في نهاية رموز، والإبقاء على السفارة الأميركية العملاقة في العراق بلوجستياتها المتطاولة وقطارها الأمني سوف يؤكد ببساطة فشلنا هناك وعدم قدرتنا على الاعتراف بأننا كنا مخطئين. عندما تصبح البلاد شديدة الخطورة للدبلوماسية مثل ليبيا، نقوم بإغلاق سفارتنا مؤقتاً. وعندما تصبح البلاد خطرة، مع بقاء مصالح أميركا على المحك، كما في اليمن، ننسحب جميعنا باستثناء طاقمنا الرئيسي. وبشكل مماثل في بغداد، ما هو مطلوب، سفارة ذات حجم متواضع لا يسكنها الألوف لكن العشرات، أي فقط العدد المحدود من الناس الضروريين، وذلك لكي نؤكد نقطة أن وجودها لم يعد يشكل إطالة لاحتلال فاشل.
لا شيء سوف يغير الماضي في الشرق الأوسط، لكن سحب القوات بحسب الجدول وتقليص سفارتنا بشكل جذري لتأكيد أننا لم نعد في موقع المطالبة بمساحة أكبر للإمبراطورية الأميركية، قد يساعد على تغيير المستقبل.
