قال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، بعد إعادة انتخابه أخيرا: «صدقوني، انه انتصار لشعب دمشق تماما كما هو انتصار لشعب أنقرة». وكلماته هي أكثر من مجرد كلام منمق، فقد جرت إقامة مخيمات على الجانب التركي من الحدود مع سوريا لاستقبال اللاجئين السوريين الذين فروا من منازلهم، وكان أردوغان حليفا وثيقا لنظام الرئيس السوري بشار الأسد إلى فترة قريبة، كجزء من سياسته الخارجية «صفر مشكلات مع الجيران»، والآن على نقيض حلفاء سوريا الآخرين، روسيا والصين وإيران، فقد تخلى عن صانع القرار في سوريا.

الاقتصاد أولاً

والاقتصاد هو الذي حقق الفوز لحزب العدالة والتنمية التركي، الذي استفاد من بعض القرارات الصعبة الخاصة بالإنفاق العام، عند وصوله إلى السلطة عام 2002، وقد تضاعف الناتج المحلي الإجمالي في أقل من عقد من الزمن، وخرجت تركيا من أزمة الائتمان عام 2008 سالمة تقريباً. وحققت معدلات نمو مرتفعة، كما الصين والهند، لكنها لا تزال تعاني من البطالة التي تعتبر مرتفعة بالمقاييس البريطانية وتبلغ حوالي 11.5% على الرغم من تراجعها من 14.4% على مدى الشهور الـ12 الأخيرة. وقد أدى الازدهار الاقتصادي إلى زيادة غير محتملة في العجز التجاري، لكن الإجراءات المطلوبة لمعالجة العجز لن يضعف التحسن الذي حققه الأتراك في المستويات المعيشية.

وكان نجاح حزب العدالة والتنمية بالغا جدا بالمقارنة مع انتخابات 2007، حيث ازدادت حصته من الأصوات بأربع نقاط مئوية إلى 49.9%، علما أن أعلى حصة حققها حزب في الانتخابات العامة البريطانية منذ الحرب العالمية الثانية كانت في حدود 49.7% عام 1955، وهذا الفوز لم يتم تحقيقه من قبل أقلية مكرهة على التوجه إلى صناديق الاقتراع، بل في ظل معركة ساخنة تنافست خلالها أحزاب عدة، وهي نظيفة بكل المعايير، وشهدت نسبة إقبال تثير الخجل بين البريطانيين، وهي 84.8%، حيث لأكثر من 50 سنة لم يزد الحضور الانتخابي على 80% في بريطانيا. فهل هناك من يواصل التأكيد بأن الديمقراطية لا تتماشى والإسلام ؟

كان هناك لغو كثير قبل الانتخابات بأن حزب العدالة والتنمية قد يفوز بهذه الأغلبية الكبيرة، وأنه سوف يمضي قدماً بتغييرات مهمة في الدستور من دون الحاجة إلى شراء المعارضة، ومن دون استفتاء. ولا يمكن أن يحدث هذا الأمر الآن، حيث ان الأغلبية التي حصدها لم تكن كافية لتحقق له ذلك. وهذا يعني انه يتعين على حزب العدالة والتنمية السعي إلى اتفاق جماعي أوسع نطاقاً لإحراز هذه التغييرات، وهذا ما أقر به أردوغان في خطاب الفوز.

إن ارث مؤسس تركيا الحديثة ، كمال أتاتورك، هو إرث هائل، فقد حول أوتوقراطية متداعية إلى دولة حديثة، لكنها كانت تتسم على نحو عدواني بعداء مع الدين، في بلد نجد أن 98% من سكانه يتمسكون بالدين الإسلامي، كذلك، أعطى قوة غير متناسبة لما يطلق عليه «الدولة الظل» وبالأخص للجيش والسلطة القضائية.

 

الاصلاح الدستوري

ويشكل إصلاح الدستور الحالي الذي وضع بعد انقلاب عسكري عام 1980 مسألة مهمة في تركيا بهدف توضيح دور الجيش، ووضع القضاء أمام المزيد من المساءلة وتوسيع المشاركة. وقد يسعى حزب العدالة والتنمية إلى طرح رئاسة بسلطات تنفيذية على غرار النظام الفرنسي. ويتوقع المطلعون أنه إذا ما حصل هذا، فإن كلاً من رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان والرئيس التركي عبدالله غول سوف يتبادلان الأدوار.

وفي اعتقادي، إن أردوغان في سعيه للتغيير لن يحاكي أولئك الذي تسببوا باعتقاله، ويمكنه إثبات قوته بأن يضمن للصحافيين المحجوزين الآن محاكمة سريعة، كما في إطار القانون الجنائي لأي دولة ديمقراطية، أو أن يطلق سراحهم، وتشكل تركيا الآن لاعبا مهيمنا في المنطقة ويزداد نفوذها على المسرح الدولي. وكان موقف بريطانيا الداعم لها جديرا بالاحترام واستراتيجيا، وهذا الوضع لا ينطبق على فرنسا وألمانيا وغيرها في القارة الأوروبية التي أعاقت المفاوضات التركية مع الاتحاد الأوروبي.

 

قصر نظر

 

يستمر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في سعيه لعلاقات حسنة مع أوروبا، حيث نصف المبادلات التجارية التركية هي مع أوروبا، ويطمح رسميا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وإذا كان هناك في الدوائر الأوروبية من يشعر بالقلق إزاء تأكيد الدور المتزايد لتركيا في السياسة الخارجية والاقتصادية، فما عليه إلا أن يلوم نفسه.

فالخاسر الوحيد من تلك الانتخابات هو الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت الذي تحتاج فيه أوروبا بشكل يائس إلى حلفاء أقوياء للمساعدة في ضمان نتائج حميدة للربيع العربي، تكشف عن قصر نظر فظيع، حيث يبدو أن قادتها يبتعدون عن الدولة الأقوى والأغنى والأكثر ديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير.