أسفرت انتخابات 12 يونيو في تركيا عن فوز ساحق آخر لحزب العدالة والتنمية، كما كان متوقعا، وكوفئ الحزب وقائده رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على الازدهار الاقتصادي والخدمات الاجتماعية الاقتصادية الأفضل، لاسيما في مجال العناية الصحية والإسكان الميسر.
المعارضة والمستقلون
كان حصول الحزب على ثلثي الأغلبية العظمى أي 367 مقعداً زائد واحد من اصل 550 من المقاعد البرلمانية، كافيا ليخوله تعديل الدستور من طرف واحد، ومن دون الحاجة إلى استفتاء، لكنه حصد 326 مقعدا فقط، وستحتاج إصلاحاته الدستورية إلى مستوى من الدعم من المعارضة والمرشحين المستقلين، وهو الأمر الذي يوفر تعزية للمتخوفين من ميول أردوغان التسلطية وغير الليبرالية.
والآن بعد انتهاء الانتخابات فإن أجندة داخلية ودولية معقدة تنتظر أنقرة. وعلى الرغم من التحول الخطير الذي اتخذه الربيع العربي بالنسبة لتركيا، فإن القضية الأكثر إلحاحا التي تواجه حزب العدالة والتنمية هي المسألة الكردية في الداخل. وكان الحزب يطلق وعودا بصياغة دستور جديد شامل منذ 2009، لكن بطريقة ما وعلى نقيض روح الشمولية الديمقراطية، أراد اردوغان تغيير النظام السياسي لتركيا من شكله البرلماني الحالي إلى نظام رئاسي، لكن الحزب الآن ومن دون أغلبية عظمى هو غير قادر على السعي إلى أجندة تتصف بالاستقطاب، وبدلا من ذلك، يتعين عليه ان يسعى إلى التركيز على الإصلاحات الدستورية في سبيل إيجاد حلول قابلة للحياة للقضية الكردية في تركيا.
ان مقاربة التذمر الكردي الداخلي في اطار دستور جديد سوف تكون تحديا شاقا بالنسبة للحكومة. فالتطلعات السياسية للأقلية الكردية وصلت إلى مستويات غير معهودة، خلال السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من أن تمرد حزب العمل الكردستاني لم يعد قويا كما كان في التسعينات، لكن القومية الكردية كقوة سياسية هي قوة حية وعلى امتداد تركيا، ومنذ بداية 2010 وعلى امتداد الحملة الانتخابية، حاول أردوغان خطب ود الناخبين القوميين، فخسر موقعه في الجنوب الشرقي الكردي. والآن مع انتهاء الانتخابات، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان الحزب قادر على تغيير المسار والمحاولة مجددا للتعامل مع المطالب الكردية في اطار الدستور الجديد، تحديات السياسة الخارجية، كانت السياسة الخارجية غائبة بشكل واضح خلال الحملة الانتخابية.
وهذا يعود ربما إلى أن الرأي العام التركي هو بشكل عام راض عن الطريق المستقل لحكومة العدالة والتنمية. لكن تعامل تركيا مع الشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي يحتاج إلى دوزنة. فالربيع العربي يحول بسرعة ميزان القوى في الشرق الأوسط، ويسبب مشكلات لسياسة وزير الخارجية التركي أحمد أوغلو الذي يرفع شعار " صفر من المشكلات مع الجيران". إن المنطق والواقعية والمصالح الاستراتيجية هي التي يجب أن تقود سياسة تركيا المتغيرة تجاه دمشق، وعدم استقرار سوريا ليس في مصلحتها، لكن تركيا تكتشف ببطء حدود تأثيرها الإقليمي.
وعندما ينظر المرء إلى الصورة الأوسع نطاقا، فإنه يتضح أن الربيع العربي هو بمثابة نعمة لتركيا. من جهة، فإن معظم الأتراك راضون عن واقع أن بلادهم ينظر إليها كنموذج ديمقراطي ومصدر إلهام في المنطقة. ومن جهة أخرى، من المهم أن نقر بان تركيا كانت، في السابق، تملأ فراغا للزعامة الاستراتيجية في العالم العربي. كان فشل الزعامة المصرية في المنطقة في قلب المأزق العربي والإعجاب العميق بالقوة الناعمة المتزايدة لتركيا. ولكن مع الربيع العربي، وبالأخص الثورة المصرية، فإن القاهرة الآن ببطء تعود لتكون المرشح الأكثر رجحانا لملء الفراغ للزعامة الاستراتيجية في العالم العربي، وسوف تبرز كنموذج أكثر صلة بالشرق الأوسط. والواقع القائل إن القاهرة وليست أنقرة هي التي عقدت صفقة التسوية الفلسطينية بين حماس وفتح هو تأكيد لهذا المنحى.
التحدي الكبير
إن التحدي أمام حزب العدالة والتنمية هو إيجاد مواقع تكون له فيها مزايا إيجابية للزعامة الاستراتيجية. والميزة النسبية لتركيا مقابل مصر هي ذات شقين: أولا، تركيا هي البلد المسلم الوحيد الممثل في المؤسسات الغربية مثل "ناتو" والمجلس الأوروبي. كذلك أنه المرشح المسلم الوحيد لعضوية الاتحاد الأوروبي. ومن هنا، فان لأنقرة ميزة فريدة كدولة غربية يمكنها التحدث باسم العالم الإسلامي. لكن للقيام بذلك بشكل فعال فإنه يتعين على حزب العدالة والتنمية أن يؤكد وضعه كشريك عابر للأطلسي ومرشح حقيقي للعضوية في الاتحاد الأوروبي من اجل تأكيد طموحات سياسته الخارجية، وبالأخذ بعين الاعتبار المخاطر المحدقة بتركيا وإسرائيل، يتعين على واشنطن أن تلعب دورا أكثر نشاطا في عقد صفقة لحفظ ماء وجه حليفيها.
وبدورها، يتعين على أنقرة القيام بأفضل ما لديها لتثبيط عزم الأسطول الدولي الجديد الذي يمكن ان ينطلق إلى غزة. وهناك أيضا إشارات إلى أن إسرائيل قد تخفف موقفها تجاه أنقرة، بعد الفوز الانتخابي الساحق للحزب.
وفيما يخص العلاقات التركية الأميركية، من المرجح أنه لن تكون لنتائج الانتخابات أثر كبير. ومن المرجح أن تستمر واشنطن بالضغط على أنقرة لتطبيع علاقاتها مع أرمينيا وإسرائيل. وأخيرا، فإن إدارة أوباما تريد من تركيا إعطاء موافقتها الرسمية على نشر رادارات لنظام دفاع صاروخي ل "ناتو". ومن المرجح ان تطالب أنقرة في المقابل بالتحكم والسيطرة على نظام الرادار.
باختصار، إن أجندة محلية ودولية تنتظر أنقره تتطلب مستوى جديدا من الرؤية الاستراتيجية والنضج الديمقراطي من قيادة الحزب. والمستقبل وحده هو الذي سيوضح أين سيضع أردوغان ثقله السياسي. ولا يستطيع المرء إلا ان يأمل في ان يفتح الانتصار الانتخابي الثالث الواسع التأثير لحزب العدالة والتنمية الطريق لبلاد أقل استقطابا يحكمها دستور ديمقراطي من الطراز الأول.
ميزة نسبية
ان الميزة النسبية لتركيا تبرز عبر هويتها العلمانية والديمقراطية. ويتعين على تركيا أن تسعى بقوة لإيجاد وسائل مبدعة لتخطي الانقسام الطائفي والديني في الشرق الأوسط، وللتعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي.
ويتعين على تركيا أن تجد رؤية استراتيجية لتخطي مشكلاتها الحالية مع إسرائيل، حيث إن تركيا أكثر ثقة بنفسها يمكن أن تكون جزءا من الحل على الجبهة العربية الإسرائيلية، وليس عاملا في تفاقم الوضع المتوتر أصلا. وتطبيع العلاقات التركية الإسرائيلية هو في المصلحة الوطنية للبلدين.
