في الوقت الذي تصارع الولايات المتحدة لفهم نماذج التحولات الجارية في الشرق الأوسط، فإن تحولا واحدا لم يحظ على وجه التقريب بالاهتمام الكافي الذي كان يفترض أن يحظى به. بعد مرور أكثر من قرنين على رؤية الشرق الأوسط من منظور قوة أطلسية، فإن نظرة أميركا إلى المنطقة باتت على نحو متزايد من منظور قوة في المحيط الهادي أيضا. والتحول هذا له تأثير قوي جدا على الولايات المتحدة والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.
لقرون مضت، كان هناك مغزى في أن تنظر الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط عبر الأطلسي. فالأميركيون هم أحفاد الأوروبيين، وغالبا ما نظروا إلى الشرق الأوسط كمنطقة نفوذ أوروبي. وكانت قد صاحبت هذا التوجه الغربي مجموعة من المخاوف الغربية أصلاً: المساعدة في إقامة نظام لمرحلة ما بعد الاستعمار، والتوسط في الصراعات، وتأمين شرق المتوسط وقناة السويس. وفي الوقت الذي دفعت الحرب الباردة نحو توسع أميركي متزايد في منطقة الخليج لحماية تدفق النفط إلى الأسواق الغربية، إلا أن المنظور الغربي بقي مهيمناً.
بدأ التوازن في التحول خلال العقد الماضي. كانت اقتصادات آسيا تنمو، ويزداد طلبها على النفط تباعا، في الوقت الذي يزداد توغل بلدانها أكثر في الشرق الأوسط، والصين هي محرك رئيسي للنمو هنا، وليس من قبيل المصادفة أن تعتمد الإمارات مناقصة كورية على بناء أول محطة للطاقة النووية وأن يقرر الكوريون إعطاء شروط مغرية جدا للإمارات. والشركات الأسيوية تكسب عقود بناء بمليارات الدولارات على امتداد المنطقة، وشركات النفط الصينية هي الشركات الأكثر تعاملا في العراق. أما الاستثمار الخليجي في آسيا فقد وصل إلى مئات المليارات من الدولارات، ويشمل كل شيء من مصافي التكرير إلى العقارات.
إن التاريخ والممارسة لا يزالان يربطان الشرق الأوسط بالعالم الأطلسي، والروابط القائمة تمتد بشكل مهيمن باتجاه الغرب. وعلى الرغم من ذلك، فان المنطقة ترى بوضوح مستقبلها مربوطا بشكل أقل حميمية مع الغرب، وأكثر موثوقية مع الدول التي تنمو على سواحل المحيط الهادئ.
ويمكن أن يجادل البعض بأن الولايات المتحدة نفسها هي التي تقوم بهذا التحول، فهي تعانق على نحو متزايد هويتها كقوة تنتمي للمحيط الهادي بقدر كونها قوة أطلسية. والموانئ على الساحل الغربي للولايات المتحدة تعج بالنشاط، كما ان القيادة العسكرية الأميركية في المحيط الهادي هي الأكبر في مجمل القيادات العسكرية المقاتلة.
ويحول التوجه الأميركي المتنامي باتجاه المحيط الهادئ أيضا الولايات المتحدة نحو رؤية الشرق الأوسط من خلال عيون آسيوية. وتقوم البحرية الأميركية بتأمين الممرات البحرية المزدحمة التي تربط الشرق الأوسط بآسيا مستخدمة سبعة أساطيل تعمل في أعالي البحار لا تملكها أي دولة أخرى. وفيما أميركا تلاحق حربين على الأرض في آسيا، فإن السفن الحربية الأميركية تبحر من الساحل الغربي بالقدر الذي تبحر فيه من الساحل الشرقي لأميركا.
إن الاعتماد المتزايد للدول الآسيوية على الشرق الأوسط سوف يتطلب مجموعة مختلفة من العلاقات مع الولايات المتحدة ومع بعضها بعضا، لاسيما في المحيط الهندي. وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية تحدثت لفترة طويلة عن تقاسم على صعيد الأمن الدولي، وقصرت أفعالها عن أقوالها، فإن العديد من الدول الآسيوية لا يشعر بالحاجة إلى المساهمة بشكل كبير في هذا المشروع، وتدبير كهذا أصلا لا يمكن أن تتحمله الدول الآسيوية في مواجهة تزايد مستمر في تجارتها، ولا الولايات المتحدة التي تواجه تحديات الميزانية.
وبالأخذ بعين الاعتبار الخصومات الإقليمية في المحيط الهادي، ستحتاج الولايات المتحدة إلى لعب دور في توجيه التغلغل المتزايد للقوى الآسيوية في إطار تعاوني واسع.
إن التحولات الجارية في آسيا تؤكد على الدور الأميركي وعلى اعتبار أميركا القوة العالمية الوحيدة فعلا في العالم. وعلى الرغم من أن التعليقات الأميركية الحالية تتحسر على النفوذ الدولي المتراجع للولايات المتحدة، فإن الواقع يشير إلى أنها الدولة الوحيدة التي يمكنها النظر إلى الشرق الأوسط من خلال العدستين «الأطلسية والباسيفيكية». ومن الصعوبة بمكان تخيل كيف يمكن لأميركا أن تستمر في نموها كقوة آسيوية رئيسية من دون الحفاظ على موقع قوي في الشرق الأوسط.
