يواجه الشرق الأوسط لحظة الحقيقة مع اندلاع الانتفاضات الواحدة تلو الأخرى. ومن المرجح أن تشكل هذه الأحداث الدراماتيكية اكبر تحد للسياسة الخارجية لأميركا في العقد المقبل. فالإطار الأمني الإقليمي يتطور في ظل أدوار جديدة لبعض بلدان المنطقة، ويتعين على واشنطن أن تعيد دراسة كيفية حماية مصالحها الإقليمية باعتماد طرق جديدة.
إن المسار الذي تمضي فيه الأحداث في مصر ستكون له أهمية حاسمة، فبعد سبات طويل، تبرز مصر مجددا كزعيمة إقليمية. وقد سارعت وزارة الخارجية المصرية إلى إبراز المقاربة التي تنوي اعتمادها القاهرة، حيث أكدت على أنها في الوقت الذي ستكون حساسة تجاه مخاوف الدول الأخرى، ستلعب دورا أكبر وأكثر حزما في المنطقة. وكذلك، قال وزير الخارجية المصري نبيل العربي إنه في الوقت الذي تسعى مصر إلى «فتح صفحة جديدة» مع جميع البلدان، فإن القاهرة تتوقع أن تكون العلاقات مع الولايات المتحدة «أوثق من أي وقت مضى».
إن توجه السياسة الخارجية الجديدة في مصر سوف يعكس عن كثب مشاعر الشعب وتطلعاته، التي جرى تجاهلهما لفترة طويلة. وهناك لاعب مهم في التوجه الجديد هو جماعة الإخوان المسلمين، وهي جزء لا يتجزأ من المجتمع المصري، لكنها ليست بأي حال من الأحوال جزءا مهيمنا.
سوف تسعى مصر بنشاط إلى حل خلافات إسرائيل مع سوريا ولبنان، وتحقيق تسوية بين إسرائيل والفلسطينيين. ودعم القاهرة لاتفاق الوحدة المعقود أخيرا بين السلطة الفلسطينية وحماس يعكس توجه مصر الجديد باتجاه القضية الفلسطينية، وقد استتبع ذلك الابتعاد عن سياسة إسرائيل حيال غزة. إن خطا مصريا أكثر مرونة تجاه حزب الله هو أيضا ضمن الأوراق المطروحة، وأساسا ستسبب هذه التغييرات توترا إضافيا بين إسرائيل ومصر، لكن لن يكون هناك تخل عن المعاهدة المصرية الإسرائيلية، وفي نهاية المطاف فإن العلاقة الجديدة سوف تكون في صالح المصالح طويلة الأمد لإسرائيل ومصر على حد سواء، حسب رؤية المراقبين الأميركيين.
إسرائيل وفلسطين
ويرى المراقبون الأميركيون أنه لدى إسرائيل فرصة ذهبية للاندماج في المنطقة، ويتعين عليها وضع الهلع والقلق جانبا والنظر إلى ما يحدث في العالم العربي بأمل متسم بالحذر. وفي الواقع، تحدث الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بإيجابية عن التطورات في المنطقة. أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فقد عبر عن شكوكه، لكنه قال إن التحرك نحو حكومات أكثر تمثيلا في المنطقة لا يشكل تهديدا لإسرائيل.
وسوف تضعف قدرة الحكومات العربية على تحويل الاضطرابات الداخلية باتجاه إسرائيل، في الوقت الذي ستدفع جماهير أكثر حزما بالزعماء العرب الجدد للضغط على إسرائيل للانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية. وفي سبيل المضي قدما، يتعين على إسرائيل ان تبذل مزيدا في إطار التفكير في المصالح المشتركة مع الفلسطينيين، وأن تعقد سلاما معهم وأن تبني لنفسها سياسة تقوم على حسن الجوار، الأمر الذي يمكن أن يساهم في استقرار المنطقة وتطورها، وبدلا من معارضة غريزية لاتفاق الوحدة الفلسطينية يتعين عليها السعي لاستخدام هذه المصالحة في سبيل تحقيق هدف الدولتين، وتبقى إسرائيل قوية عسكريا لكن الزمن ليس لصالحها.
لقد استفاد الفلسطينيون من التغيرات في العالم العربي، لكنه يتوجب عليهم أن يحسنوا استخدام الفرص التي منحت لهم، وذلك بمشاركة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في دبلوماسية نشطة مع إسرائيل، وتعمد إرسال إشارات إيجابية من حماس لزيادة ثقة إسرائيل بان حكومة وحدة فلسطينية تشكل شريكا في السلام يعتمد عليه.
الخاسرون
الخاسرون من الربيع العربي هم مجموعات مثل تنظيم القاعدة، الذي سيحرم من قدرته على استغلال الإحباطات التي ولدتها الأنظمة الفاسدة والقمعية، وقد تختفي القاعدة في المغرب واليمن، لكن لكي يحدث هذا، ينبغي على الحكومات القبول بالأحزاب الدينية التي لا تتبنى أفكارا متطرفة.
وهناك خاسرون آخرون وهم القادة الذين يرفضون الاستجابة لدعوات زيادة المشاركة الشعبية في الشؤون السياسية لبلدانهم.
المضي قدماً
أظهر الربيع العربي، في كثير من النواحي، أن الولايات المتحدة لا تزال دولة لا غنى عنها للمنطقة، والحال أن فترة متطاولة من التورط الأميركي المكثف في العالم العربي والإسلامي قد باتت مؤكدة. لكن يتعين على الولايات المتحدة ألا تقود هي الجهود المبذولة للتعامل مع كل أزمة إقليمية، وهي بالتأكيد أكثر فاعلية عندما تعمل بالتناغم مع الآخرين.
ويتعين عليها أن تعتمد بشكل أقل على المعالجات العسكرية وبشكل أكبر على الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية، وباستخدام هذه الأخيرة كجزرة بالتلازم مع عصا العقوبات عند الضرورة، سوف تحقق أهدافها أفضل.
ويجب أن تلعب عمليات المبادلة العالمية للناس والأفكار دورا كبيرا، على أن تتضمن النخب السياسvية وأعضاء من المجتمع المدني بما في ذلك الطواقم العسكرية، التي يفترض اطلاعها على المفاهيم الأميركية.
إن الأحداث في الشرق الأوسط تقع بسرعة، ويتعين على أميركا التركيز على الفرص والقلق بشكل أقل حول المخاطر، لاسيما في ظل أوضاع لا تسيطر عليها لكنها يمكن أن تؤثر فيها. إن إقامة علاقات تعاون مع الحكومات الجديدة أصبح أمراً حتمياً، بالرغم من القلق حول الرابحين النهائيين في كل دولة على حدة.
سوف تظهر دول المنطقة استقلالية اكبر عن الولايات المتحدة التي يتعين عليها أن تعطي هذه الدول الديمقراطية الناشئة المزيد من الاعتبار، والمرجح أنه بالقدر الذي تقوم الحكومات الجديدة بتلبية طموحات شعوبها، فإن الجميع سيكون رابحا تقريبا على المدى الطويل.
