تحدث وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس عن تبعات تقليص الميزانية الدفاعية، فقال إن هذا سيجعل القوات العسكرية بمعزل عن تفوقها، أقل قدرة على الانتشار والقيام بالمهمات الملقاة عليها.
وتبدو أميركا غير مستعدة للسجال الذي سعى غيتس لإشعاله، لكن في ظل افتقار الميزانية الفيدرالية لتوازنها بنسبة 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، فإنه يتعين على الأميركيين أن يطرحوا على أنفسهم السؤال التالي: ماذا نحن على استعداد للتضحية به أو التخلي عنه أو الاقتطاع منه؟
إن بنود الميزانية الأكبر تذهب إلى الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والدفاع، وبالنسبة للديمقراطيين، فإن البندين الأولين لا يمكن المساس بهما، أما معظم الجمهوريين، فيرفضون مناقشة بند الدفاع أصلا. ومن المرجح أن يتفق الطرفان على صفقة حول الميزانية تتضمن عدم المساس ببنود بعينها في سبيل السماح للكونغرس بتجنب اتخاذ قرارات مؤلمة وتأجيل المشكلة.
من منظور الجيش
لننظر إلى الوضع من وجهة نظر الجيش الأميركي.
مدة استخدام الطائرات والسفن والصواريخ والأسلحة الفردية والدروع التي تعود إلى فترة ريغان في الثمانينات تشارف الآن على نهايتها، وتعد كلفة استبدال هذه الأسلحة أعلى بكثير مما مضى، وسيكلف، على سبيل المثال، أسطول من 2440 مقاتلة من طراز «أف- 35» أكثر من تريليون دولار.
ومن جهة أخرى، زادت تكلفة الرعاية الصحية العسكرية بنسبة 150 بالمئة خلال عشر سنوات إلى 50 مليار دولار في السنة، وتشهد الأجور والمنافع التي يجري تقاضيها اليوم زيادات مشابهة، وهذه التكاليف تستخدم أكثر مما ينبغي من الدولارات الموجهة لبناء منظومة أسلحة جديدة.
وفي الوقت الذي لم نعد نواجه الاتحاد السوفييتي بقواته النووية والتقليدية المساوية لقواتنا، فإنه لم يجر تقليص الالتزامات الأميركية، بل على العكس ازدادت منذ نهاية الحرب الباردة.
وفي تلك الأثناء، فإن العمل على نزع السلاح في أوروبا يستمر في أعقاب أزمة الديون، ومما يستدعي الاهتمام الخاص الاقتطاع من ميزانية حكومة حزب المحافظين في بريطانيا.
وفي الوقت الذي تنتقل القوات الأميركية إلى داخل العراق وأفغانستان وخارجهما، فإن الصين لم تخض أي حرب، لكن زادت ميزانية دفاعها سنويا بنسب تتكون من رقم مزدوج على مدى عقدين من الزمن. وباتت تملك الآن غواصات وصواريخ وطائرات تكفي لتحدي الولايات المتحدة في غرب المحيط الهادي، وتبدو عازمة بشكل واضح على إجبار أميركا على تراجع استراتيجي في المنطقة.
وبات على أميركا ضرورة الاختيار. وبالتأكيد، ما ان تنتهي الحرب الأفغانية سيكون الانسحاب الأميركي من جنوب ومنتصف آسيا قد بدأ انتظامه، حيث إن هذه المناطق بعيدة جدا عن الولايات المتحدة. والأمر نفسه ينطبق على كوريا. فخلال السنوات من 1950 إلى 1953، حاربت الولايات المتحدة بجيش قوامه 330 ألف جندي كلاً من كوريا الشمالية والصين، والقضية لم تكن تتعلق فقط بمصير شبه الجزيرة فحسب، بل أيضا بالتوجه الياباني خلال الحرب الباردة.
الحرب الباردة
اليوم، لدى سيؤول عدد سكان يبلغ ضعف ما لدى كوريا الشمالية واقتصاد أقوى منها بمقدار 40 مرة، ولم يعد لبيونغ يانغ روسيا الستالينية أو الصين الماوية تدعمها في حربها ضد كوريا الجنوبية، ألا نستطيع الآن سحب جنودنا المتبقين والبالغ عددهم 28 ألفاً وأن نقصر التزاماتنا في أي حرب مقبلة على الدعم الجوي والبحري؟
لا تطالب الصين اليوم بتايوان فحسب، بل أيضاً بجزر سنكاكو التي تقول اليابان إنها لها، وكل الجزر في جنوب بحر الصين والتي تزعم كل من فيتنام وماليزيا وإندونيسيا والفلبين امتلاكها.
إن واجبنا هو في التثبت من صحة هذه المزاعم ضد الصين، وما هي مصالحنا الحيوية في كل هذه الخلافات، علماً أن كل رؤساء الولايات المتحدة منذ الرئيس ريتشارد نيكسون قد وافقوا على أن تايوان هي جزء من الصين؟ ألا تستطيع هذ البلدان ان تشتري الأسلحة منا في سبيل الدفاع عن نفسها؟
وأوروبا اليوم تعادل الولايات المتحدة في الازدهار وهي أكثر منها سكانا، والجيش الروسي لم يعد في ألمانيا، بل هو على بعد ألف ميل إلى الشرق وراء جمهوريات البلطيق وبلاروسيا وأوكرانيا. فما ضرورة وجود جنود أميركيين في أوروبا؟
