يشير المصريون إلى "ثورتهم" التي أطاحت بنظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك، ويسعدون بتوهجها المتواصل، ويقدرون كم كان عملهم مهما ومرضيا.
وتعد مرحلة ما بعد الثورة، التي تتواصل حالياً، تحديا أكثر صعوبة من أسابيع مظاهرات الشوارع التي أطاحت بمبارك، فالجميع في مصر يتساءل كل يوم: هل غيرت الثورة حقا ما يتجاوز تنحية كبار المسؤولين من مناصبهم، وهل يضرب نظام ديمقراطي بالحكم جذوره بصورة كاملة في البلاد؟
خلال وجودي في القاهرة، أخيرا، أتيح لي أن أطل من موقع يجعلني أفهم القضايا الأكثر عمقا المطروحة في مصر، وذلك عندما شاركت في ندوة ضمت 30 ممثلا لمنظمات غير حكومية من 12 دولة عربية، اجتمعوا لمناقشة "الطرق المفضية إلى التغييرات الديمقراطية والتنمية الموازية في المنطقة العربية: نحو بناء دولة مدنية وإرساء عقد اجتماعي جديد".
ديناميات أساسية
أوضح هذا الاجتماع الذي عقدته شبكة المنظمات غير الحكومية العربية للتنمية، والمعهد العربي لحقوق الإنسان، والجمعية المصرية لتوسيع نطاق المشاركة الاجتماعية- أوضح ما أنظر إليه على أنه الديناميات السياسية الثلاثة الأكثر أهمية التي تبرز من التجربة المصرية، والتي تبرز كذلك في تونس:
ـ كانت تجربة ميدان التحرير تمكينا جماعيا رائعا لأفراد كانوا في وقت من الأوقات عاجزين، وقد تجمعوا معا، وكان بمقدورهم التخلص من حكومة كريهة.
ـ يجري حالياً في مصر تطبيق مفهوم "موافقة المحكومين" باعتباره "سلطة الشعب " التي غدت مصدرا شرعيا للسلطة والحكم.
ـ لا بد من ترجمة روح ميدان التحرير إلى هيكل حكم، وعقد اجتماع جديد يوفران للمواطنين الحقوق السياسية والمدنية، وكذلك الوعد بآفاق اجتماعية واقتصادية أفضل.
كان ناشطو المنظمات غير الحكومية المجتمعون في هذه الندوة يعرفون بصورة غريزية من عقود من التجربة أنه يتعين عليهم تحقيق حافز قوي إذا ما أريد للأصول حديثة التشكيل للثورة الشعبية على امتداد العالم العربي أن تترجم إلى مكتسبات طويلة الأمد، فأنظمة الحكم الجديدة لا بد أن تقوم على أساس حقوق محددة دستوريا، ومنفذة ومفروضة من خلال هياكل قانونية وسياسية تحظى بالمصداقية. وبين العناصر المهمة في العقد الاجتماعي الجديد القضاء القوي والمستقل، والعلاقة الجديدة بين القطاع العسكري الأمني والسكان المدنيين.
إن التفاعل السياسي الجاري في مصر يشهد روح ميدان التحرير وهي تواصل التجلي في العديد من الأشكال، ومن بينها المظاهرات في الشوارع، والعمل القانوني، والأحزاب السياسية الجديدة، ونشاط المجتمع المدني، والإعلام الديناميكي الذي يسعى إلى تحديد معالم نظام حكم جديد في مواجهة القوتين الأكثر جبروتا اللتين تهيمنان على المجتمع، وهما المؤسسة العسكرية وجماعة الإخوان المسلمين.
النضال مستمر
إن إعادة تأهيل وإعادة بناء دول عربية أكثر ثباتا وأنظمة حكم أكثر استقرارا اليوم تقتضي معالجة الحقوق المتساوية للمواطنين جميعا في الميادين السياسية والمدنية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. و" إضفاء الطابع الدستوري على حماية حقوق المواطنين" على نحو ما ذكر أحد الباحثين المغاربة.
إن التغير التاريخي الذي أطلقته تونس ومصر هو في أبسط صيغه أن المواطنين العرب هم الآن مشاركون في هذه العملية بعد أن كانوا في الغالب الأعم مجرد مشاهدين لا حول لهم ولا قوة، خلال الأجيال الأربعة الماضية، عندما تعددت الدول العربية من دون أن تضرب أي سيادة حقيقية للمواطنين جذورها في الأرض بالتوازي مع ذلك.
لسوف يستمر النضال من أجل تحديد معالم العالم العربي الجديد لبعض السنوات، والشيء المهم هو أن ذلك قد بدأ أخيرا على وجه السرعة، وأن نتيجته سوف تحسم إلى حد كبير من خلال التفاعل بين اللاعبين الداخليين الذين يشملون الآن البطل الذي اختفى في وقت من الأوقات، ولكنه الآن أعيدت تقويته في ملحمة تشكيل الدولة وهو المواطن العربي. انقلاب هادئ
يرى الكثير من المصريين تحالفا بين العسكريين والإسلاميين، بل إن البعض يشيرون إليه على أنه انقلاب هادئ، ولكن العامل الجديد الذي يحدث تـأثيره الآن هو المواطن العربي. فالجماهير العربية الآن تشعر بأنها لديها القدرة ليس فقط على أن تطلب، وإنما أيضا على أن تفرض حقوقها باعتبارهم مواطنين في أنظمة ديمقراطية يسعون إلى البناء، وسط حطام الدول العربية الأمنية التي احتملوها على امتداد عقود عدة من الزمن.
إن الاستقطاب أو التشظي أو حتى الانهيار العنيف لبعض الدول العربية اليوم كما هي الحال بالنسبة للصومال، اليمن، لبنان، ليبيا، فلسطين، الجزائر والعراق مع دول أخرى تصطف لتحذو حذوها هو النتيجة الطبيعية لدول تخفق في أن تقدم لمواطنيها الحقوق التي يتوقعونها.
