يعد فتح مصر معبر رفح الحدودي خطوة تجسد إنهاء 30 عاما من التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين مصر تحت حكم الرئيس المصري السابق حسني مبارك، وقد وصف وزير الخارجية المصري نبيل العربي حصار 1.6 مليون فلسطيني في قطاع غزة بأنه أمر مثير للاشمئزاز. ومن المقرر من ناحية أخرى أن تقوم مصر قريبا باستئناف علاقاتها الدبلوماسية مع إيران.

تحدث في مصر تغيرات لم يسبق لها مثيل، فقد وجه المدعي العام الاتهام إلى مبارك أخيرا بالقتل العمد للمحتجين، بالإضافة إلى قبول قصر و 4 فيلات في شرم الشيخ كرشاوى في إطار الفساد، والضلوع في صفقة فاسدة تم من خلالها إمداد إسرائيل بالغاز.

 

تساؤلات

بالنسبة لمئات الألوف من المصريين الذين تظاهروا أخيرا في القاهرة والإسكندرية، فإن هذه التطورات التي لم تكن متصورة في مطلع العام الجاري لا تقطع الشوط كاملا، وينظر الكثيرون إلى المسيرات والتجمعات الأخيرة باعتبارها لحظة إطلاق الثورة المصرية الثانية للقضاء على الوضع القائم، وهم يقولون إن مصر قبل ثورة 35 يناير كانت نظاما دكتاتوريا عسكريا، وأن هذا النظام لا يزال قائما إلى حد كبير.

ويتساءل من صدرت ضدهم أحكام بالسجن من المناصرين للديمقراطية، بعد الوقوف أمام المحاكم العسكرية لمدة نصف ساعة، لماذا تم الحكم عليهم بهذه السرعة، بينما النائب العام يتحرك ببطء شديد في التعامل مع أعضاء "النادي"، وهو الاسم الرمزي الذي يطلق على المسؤولين والسياسيين ورجال الأعمال الذين كانوا يشكلون جوهر نظام مبارك.

الثورة المصرية تعاني من أزمة هوية، ويتساءل الكثير من المصريين عما إذا كانت هناك ثورة على الإطلاق، أم هناك انقلاب عسكري تم فيه التضحية بمبارك ومنتفعيه لكي تتمكن بقية الطبقة الحاكمة المصرية من الاستمرار في السلطة. ولكن هناك تغيرات دراماتيكية تجري في الوقت نفسه، حتى وإن كان سبب حدوثها هو في جانب منه تجنب ثورة أوسع نطاقا، وهناك أيضا إدراك عام لكون النظام القديم متحللا وعاجزا حتى النخاع.

تحفل مصر حالياً بالمتناقضات، ففي سجن طرة سعد الكثيرون، بعد أن تلقوا أحكاما رادعة لمواصلة الاحتجاجات في الشوارع والمطالبة بمحاكمة مبارك وعائلته، عندما وجدوا أن نجلي مبارك علاء وجمال قد انضما إليهم في السجن، ولكنهم كانوا أقل سعادة عندما اكتشفوا أنه على الرغم من تحقيق أحد مطالبهم الأساسية فإنه لم يتم الإفراج عنهم.

من الناحية النظرية، فإن توازن القوى في مصر يميل بقوة لصالح المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ولكن الأمر بالغ الحساسية بالنسبة للرأي العام، فهو يريد أن يقيم تمييزا بين الجيش المصري الوطني الذي رفض إطلاق النار على المتظاهرين في ميدان التحرير ، والمنتفعين الفاسدين الذين أداروا الدولة البوليسية. وتوضح استطلاعات الرأي أنه حتى الآن فإن المصريين، خاصة في الريف، يصدقون وعود الجيش.

وبينما يواصل الجيش الإمساك بمقاليد السلطة، فإنه سارع للاستجابة لمطالب شعبية، وهكذا فإنه للحيلولة دون تحول المظاهرات والمسيرات إلى ثورة ثانية، بادر إلى التحقيق مع مبارك ونجليه من قبل المدعي العام، وتم الإفراج عن الكثيرين من السجناء المؤيدين للديمقراطية، وتم اتخاذ قرار إعادة فتح معبر رفح، وأودع العديد من الوزراء السابقين رهن السجن.

مخاوف وصعوبات

لم تتغير الحياة كثيرا بالنسبة لمعظم المصريين، وعلى سبيل المثال فإنه بالنسبة لمليوني شخص يعملون في صناع السياحة، فإن الوضع زاد ترديا، لأن السياح ذهبوا إلى أماكن أخرى. ويظل الفساد قائما، ويتعذر الإفلات منه على كل المستويات ، فقد اضطرت أخيرا، شركة تعمل بنجاح في تصدير الرخام إلى التوقف عن العمل، لأنه على الرغم من أن أرباح تجارتها كانت تتزايد بسرعة، إلا أنها لم تكن ترتفع بالقدر الذي ترتفع به المطالبات بالرشاوى من قبل المسؤولين الذين يوقعون التراخيص المطلوبة. تمتلئ القاهرة اليوم بالشائعات، لأنه ما من أحد يعرف أين تكمن السلطة الحقيقية، وقد أثار مقال ملتبس في إحدى الصحف، يزعم أن مبارك سيتم العفو عنه لاعتذاره للشعب المصري، غضبا صارخا.

وقد ازداد الخوف من العنف، وقامت عائلات كثيرة بشراء أسلحة، وهناك 1.4 مليون شرطي يعيشون بمعنويات منخفضة، ويقولون إنهم خائفون من ممارسة السلطة لأن رؤساءهم قد لا يدعمونهم. ويقول دعاة الإصلاح إن أعضاء النظام القديم يتعمدون تأجيج العنف لخلق أجواء من الحنين إلى دولة مبارك البوليسية.

تتمثل إحدى الصعوبات التي تواجه مصر بأنه ما من أحد يعرف مدى المشكلات التي قامت الحكومة بالتغطية عليها على مدى الثلاثين عاما الماضية، إلى حد أن عدد القتلى في حوادث الطرق لا يعرفه أحد على وجه الدقة، حيث تقول وزارة الداخلية إن العدد بلغ 7000 شخص في إحدى السنوات الأخيرة، بينما تقول مؤسسات دولية إنه 13 ألف شخص. كان العسكريون المصريون فعالين على نحو مدهش في التأكيد لأولئك الذين تتعرض مصالحهم في الوضع الراهن للخطر أنه لن يتغير الكثير، وفي الوقت نفسه قالوا للمتظاهرين المؤيدين للديمقراطية إن عهدا جديدا قد أطل فجره، وهذا التحرك للموازنة بين الاتجاهين لا يمكن أن يدوم للأبد. تأثير سياسي

وبغض النظر عن طبيعة الشائعات المنتشرة الآن في مصر، فإنها تترك تأثيرها السياسي، وعلى سبيل المثال فقد أصبح من الصعب الحصول على أنابيب للغاز المدعومة بشدة والتي تستخدم في الطهي، الأمر الذي أثار غضب الرأي العام حول القصص المتداولة عن أن إسرائيل تتلقى الغاز المصري بأسعار زهيدة بفضل صفقة فاسدة تم إبرامها مع شركاء لمبارك. ويبدو التفسير الحقيقي أن رجال الأعمال يجدون أن من المربح شراء أنابيب الغاز المدعوم من الخزينة المصرية وتهريبها إلى ليبيا وغزة، حيث الأسعار أعلى بكثير من نظيرتها في السوق المصرية، وبالتالي يمكنهم تحقيق أرباح هائلة.