السؤال الآن المطروح، بعد فوز حزب العدالة والتنمية التركي بـ 50% من أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية، هو ما إذا كان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يمكن أن يكون مهندساً لإجماع وطني جديد، وانطلاقاً ديمقراطياً بمجتمع مدني في ظل حكم القانون، أو ما إذا كان سيحاول استغلال فوزه لكتابة دستور على صورته الخاصة، قبل الانتقال إلى الرئاسة التي يأمل في أن يتوجها بسلطات تنفيذية.
إن المؤشرات التي تصل لتركيا تبدو مختلطة ومتشابكة، فبعد فوز حاسم في استفتاء أجري في سبتمبر الماضي تضمن الموافقة على تغييرات مثيرة للجدل في تعيين القضاة. أطل أردوغان عبر شاشة التلفزيون ليؤكد لمواطنيه أنه: «لم يرغب قط في أن يكون سلطاناً. ولكنه يرغب في أن يكون رئيساً يتمتع بسلطات تفوق بكثير السلطة الاسمية المرتبطة بالمنصب الآن». ويقول أحد مساعدي أردوغان في هذا الصدد: «إنه يعتقد أن النظام الرئاسي أفضل لتركيا، والآن ستجرى انتخابات مباشرة للرئيس في عام 2014، وهذا تطور منطقي».
ستعتمد طموحات أردوغان الرئاسية، بل وصيغة الدستور التركي الجديد، على مدى التأييد الذي سيحصل عليه من الأحزاب الأخرى بعد أن أسفرت الانتخابات البرلمانية عن حصول حزبه على 50% من أصوات الناخبين. وهذا يعتمد إلى حد كبير على قدرة حزب العدالة والتنمية على الوصول إلى تفاهم مع حزب الحركة الوطنية الذي فاز بـ 13% من أصوات الناخبين.
وثيقة المستقبل
ويقول الكاتب والباحث الأكاديمي جنكيز أخطر: «إن هذا الدستور هو أهم وثيقة بالنسبة لمسيرة تركيا في القرن الحادي والعشرين، وما تمس الحاجة إليه هو عقد اجتماعي جديد، ومن أجل الوصول إلى هذا العقد فإنك بحاجة إلى إجماع».
وعلى الرغم من أن كل الأحزاب التركية تدور حول الوسط، فإن ذلك لا يعني إجماعاً. ويقول سميح عزيز الكاتب الصحافي في أنقرة في هذا الصدد: «بالطبع الجميع يريد أرضاً وسطاً، ولكن بالأساس لكي يفرض تصوره على هذه الأرض، وهناك حرب أهلية ما بعد حدثية تدور في تركيا، وأردوغان لم يكن عنصراً موحداً، فهو لم يف بوعده بـأن يمثل الجميع»، يعد سجن حوالي 60 صحافياً، وكذلك فرض الضغوط على مؤسسات إعلامية مثل مجموعة دوغان، التي فرضت عليها ضرائب باهظة تقول إنها ذات ظلال سياسية كل هذا يعد من أعراض هذه الظاهرة، حسبما يقول منتقدو أردوغان.
غير أن الحاجة ستمس إلى مستوى عال من الإجماع والمهارة السياسية للتعامل مع مطالب الأكراد بالحصول على حقوق ثقافية وتعليمية ودرجة من الحكم الذاتي يرى فيها الكثير من الأتراك منزلقاً نحو نزعة الانفصال، كان حزب العدالة والتنمية هو أول حزب يطرح القضية الكردية حسبما يقول محفوظ بيدر وهو كاتب ومذيع. ويضيف: «يعتقد الحزب الآن أن هذه المشكلة قابلة للحل من خلال الهوية الشاملة للإسلام»، ويحذر من أن الجيل الحالي من القادة الأكراد هم: «آخر جيل يمكننا التواصل معه».
ويفضل معظم الأتراك أن يقاتل الأكراد داخل البرلمان التركي على أن يقاتلوا في الجبال، ولكن قلة محدودة هي التي تدرك ما الذي يقاتلون من أجله. ويقول أخطر في هذا الصدد: «إننا لا نعرف كيف نتعامل مع حسم الصراع، ونعرف كيف نتعامل مع الصراعات، وأنا لست واثقاً مما إذا كنا نحن أو أي حكومة قادرين على تلبية هذه التطلعات العالية التي يتعلق بها الأكراد».
الخطوة التالية
والخطوة التالية في أعقاب الانتخابات هي ما إذا كانت المنافسة الحقيقية ستعود إلى الساحة السياسية، فالدراما الحقيقية للعقد الذي أمضاه حزب العدالة والتنمية في السلطة ليس أجندته الخفية المزعومة، أي مزاعم النخب في العاصمة التركية بأن الحزب يحاول إضفاء الطابع الإسلامي على تركيا العلمانية عن طريق التسلل، وإنما الدراما الحقيقية هي غياب معارضة تحظى بالمصداقية. وهذا يمكن أن يتغير الآن بعد النتائج التي حصل عليها الحزب الجمهوري، الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك.
