أدت اجتماعات سرية بين وسطاء فلسطينيين، مسؤولين من المخابرات المصرية، وزير الخارجية التركي، الرئيس الفلسطيني محمود عباس وخالد مشعل زعيم حركة حماس، الذي اقتضى الأمر منه القيام بزيارة سرية إلى دمشق مع رحلة التفافية حول مدينة درعا، التي تموج بالاضطرابات- أدت إلى اتفاق الوحدة الفلسطيني الذي أسفر عن اضطراب شديد لدى الحكومتين الأميركية والإسرائيلية. وأنهت فتح وحماس 4 سنوات من النزاع في مايو الماضي لهذا الاتفاق، الذي يعد اتفاقا مهما للمطالبة الفلسطينية بإقامة دولة.
وتوضح سلاسل من الرسائل المفصلة التي قبلتها كل الأطراف، والتي حصلت صحيفة إندبندنت على نسخة منها- توضح على وجه الدقة مدى التعقد الذي كانت عليه المفاوضات. وقد سعت حماس وتلقت تأييد الرئيس السوري بشار الأسد ونائبه فاروق الشرع ووزير الخارجية السوري وليد المعلم. وبين النتائج التي تم التوصل إليها موافقة مشعل على إنهاء هجمات حماس بالصواريخ على إسرائيل من غزة، حيث إن المقاومة ستكون حقا للدولة الفلسطينية وحدها، والاتفاق على أن الدولة الفلسطينية المستقبلية ستقوم على أساس حدود 1967 مع إسرائيل.
البداية
وصرح أحد الوسطاء الرئيسيين وهو منيب المصري البالغ من العمر 75 عاما لـ«إندبندنت» بقوله: « من دون حسن النية من جانب الأطراف كافة ومساعدة المصريين وقبول السوريين ورغبة الفلسطينيين في الاتحاد بعد بدء الربيع العربي، ما كنا لننجز هذا الاتفاق».
يقول المصري:« كتبنا وثيقة وقلنا إننا سنذهب لرؤية المصريين لتهنئتهم على ثورتهم، وهكذا عقدنا اجتماعين مع رئيس المخابرات المصرية خالد العرابي الذي كان أبوه ضابطا رفيعا بالجيش خلال حكم الملك فاروق، والتقينا محمد إبراهيم وهو ضابط في دائرة المخابرات». وكان والده قد اكتسب شهرة مدوية في حرب 1973 عندما أسر أرفع الضباط الإسرائيليين رتبة في سيناء. والتقى الوفد كذلك بنائبي إبراهيم، وهما نادر عسير وياسر عزاوي.
كان يتعين على 7 أشخاص من كل جزء من فلسطين أن يمثلوا الفريق في القاهرة وأسماؤهم هي الأسماء التي ستضمها كتب التاريخ الفلسطيني التي ستطبع مستقبلا. من الضفة الغربية جاء د. حنا ناصر رئيس جامعة بيرزيت واللجنة المركزية الفلسطينية للانتخابات، و د ممدوح عكر رئيس جمعية حقوق الإنسان، ومهدي عبد الهادي رئيس الجمعية السياسية في القدس، والمحلل السياسي هاني المصري، ورجل الأعمال إياد المسروجي، وحازم قواسمه الذي يدير إحدى المنظمات غير الحكومية ومنيب المصري نفسه.
مثل جانب غزة إياد السراج الذي لم يستطع المجيء إلى القاهرة لأنه كان مريضا، ومأمون أبو شهلا عضو مجلس إدارة بنك فلسطين، ورجل الأعمال فيصل الشوا، والكاتب محسن أبو رمضان، وراجي الصوراني رئيس الجمعية العربية لحقوق الإنسان والذي لم يذهب إلى القاهرة، وأبو حسان عضو منظمة الجهاد الإسلامي الذي بعث به السراج، وشرحبيل الزعيم المحامي بغزة.
وثيقة مهمة
يتذكر المصري: « أمضى هؤلاء الرجال وقتا مع كبار رجال المخابرات المصرية والتقيناهم في العاشر من إبريل ولكننا بعثنا بوثيقة قبل أن نصل إلى القاهرة وهذا هو ما جعلها وثيقة مهمة. وفي غزة كان هناك جانبان مختلفان وهكذا فقد تحدثنا عن موقف مصغر، عن غزاويين في سجن غزة، وتحدثنا عن حقوق الإنسان وعن الحصار المصري وعن الكرامة. وكان الشوا يقول: ( إننا نشعر بأننا لا كرامة لنا ونحس بأن هذا خطأكم) فقال نادر عسر من إدارة المخابرات: (لسوف نغير هذا كله).
ويتابع المصري: « في الساعة السابعة مساء عدنا وقابلنا خالد العرابي مجدداً»، وقلت له: «أنظر، إنني احتاج إلى هذه الأشياء منك، هل تعجبك المبادرة الجديدة، وهي صفقة شاملة تجسد موقف قوامه الكسب للجميع؟ هل لا يزال الملف الفلسطيني ساخنا في القاهرة». فقال: «(الوثيقة طويلة قليلا ولكنها تعجبنا هل يمكنك أن تضغط على كل من فتح وحماس لإحضارهم إلى هنا؟ ولكننا سنعمل معكم، اذهب وقابل فتح وحماس وتعامل مع هذه الوثيقة باعتبارها سرية») وقد وافقنا على ذلك وذهبنا لمقابلة الأمين العام لجامعة الدول العربية في مقره، وكان في البداية حذرا للغاية ولكن فريق عمرو موسى كان إيجابيا للغاية في اليوم التالي وقلنا: (أعطوا الأمر فرصة لقد قلنا إن الجامعة العربية أنشئت من أجل فلسطين وأن لها دور كبير في القدس)».
ويقول المصري: «عقدنا سبعة اجتماعات كبرى في فلسطين لوضع كل الجماعات الموجودة هناك والمستقلين في الصورة، وكان عباس قد أعطانا بالفعل موافقة رئاسية وتحدثت بالهاتف مع خالد مشعل فقال: (هل يوافق أبومازن على هذا؟) فقلت إن هذا هو لب الموضوع، ومضيت إلى دمشق في اليوم التالي مع حنا ناصر ومهدي أبو الهادي وهاني المصري، وبسبب كل المتاعب الموجودة في سوريا اضطررنا للدوران حول درعا، وأجريت حوارا طيبا مع مشعل فقال إنه قد قرأ الوثيقة وأنها جديرة ببحثها».
مؤشر واضح
كان ذلك مؤشرا على عدم الثقة المتبادل بين حماس وعباس، حيث إن الطرفين بدا أن كل منهما حريص على معرفة رد فعل الآخر على المبادرة قبل اتخاذ قرار بشأنها. ويقول المصري في هذا الشأن: « قال مشعل لي: (ما الذي يقوله أبو مازن؟) فضحكت وقلت إنك تسألني هذا السؤال دوما، ولكن ما الذي تريده أنت؟).
التقينا بزملاء مشعل أبو مرزوق وعزت الرشق وأبو عبد الرحمن وراجعنا الوثيقة على امتداد ست ساعات ونصف الساعة، والشيء الوحيد الذي لم نحصل عليه من مشعل هو أن الحكومة يتعين أن تكون بالاتفاق، وقلنا له إن الحكومة ينبغي أن تكون حكومة وحدة وطنية تقوم على أساس الاتفاق على أننا سيكون بمقدورنا أن نجري انتخابات، وأن نرفع الحصار المضروب على غزة ونقوم بإعادة إعمارها، وإن علينا أن نلتزم بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقراراتها.
فطلب إمهاله ثلاثة أو أربعة أيام، ووافق على أن المقاومة ينبغي أن تكون في الصالح القومي للبلاد، وأنها ينبغي أن تكون عملا أخلاقيا، وأن لا يتم شن هجمات بالصواريخ على المدنيين، وبتعبير آخر لن تكون هناك هجمات صاروخية أخرى من غزة.
مشعل: لن نخذلكم
أبلغ مشعل المصري وأصدقاءه بأنه قد التقى الرئيس السوري بشار الأسد ونائبه الشرع ووزير خارجيته المعلم ويقول المصري: « قال إنه يريد دعمهم ولكن الأمر في النهاية رهن بكلمة الشعب الفلسطيني، وكنا سعداء للغاية وقلنا (هناك إنجاز صغير) فقال مشعل: ( لن نخذلكم). وقلنا إننا سنوصل هذا كله إلى فتح والمستقلين في الضفة الغربية والمصريين. وفي الضفة الغربية أسمت فتح الأمر بمبادرة حماس ولكننا قلنا لا فهي مبادرة من الجميع وبعد يومين اثنين قال مشعل إنه قد تحدث مع المخابرات المصرية وأنهم قد أعجبهم ما طرحناه».
توجت المباحثات بالنجاح وتم إقناع مشعل بأن يرسل اثنين من كبار رجاله إلى القاهرة وعلق فريق المصري الآمال على أن عباس سيفعل الشيء نفسه، وقد سافر أربعة رجال، اثنان من كل جانب، إلى مصر في 22 إبريل الماضي، وقبل ذلك بعام عندما كان هناك جمود مألوف بين الجانبين في مصر حاول نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك وضع المزيد من العقبات بينهما، وكان مشعل قد التقى بلا طائل عمر سليمان رئيس المخابرات في عهد مبارك الذي يعد أفضل صديق لإسرائيل في العالم العربي وذلك في مكة، وكان سليمان يعمل بالفعل لحساب الإسرائيليين، أما الآن فقد تغير هذا كلية.
في اليوم الذي انطلق عباس ومشعل إلى القاهرة ذهب الجميع إلى هناك، باستثناء رئيسي الوزراء المتنافسين فياض وهنية، ووافقت حماس على القول بأنه على امتداد السنوات الأربع الماضي استولى الإسرائيليون على المزيد من أراضي القدس وبنوا المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، واستبد الغضب بمشعل عندما اعتقد أنه لن يسمح له بالكلام من فوق المنصة مع الآخرين ولكن سمح له بالحديث، ووافقت حماس على حدود 1967 وهو ما يعني فعليا الإقرار بوجود إسرائيل، وعلى الإشارة إلى «المقاومة»، وعلى إعطاء عباس مزيد من الوقت للتفاوض.
