تعرض الرئيس على عبد اله صالح للإصابة بجروح لدى قصف القوات المعارضة للمجمع الرئاسي أخيرا، وهكذا أصبح الحديث عن اليمن ينصب على ما بعد صالح، ولكن كما سأناقش لاحقا فإن هذه القصة لها بقية. أليست تلك هي الحالة دائما؟

في رأيي أن هذه القصة كبيرة للغاية، حيث انها ينبغي أن تحتل الصفحة الأولى من صحيفتي «نيوروك تايمز» و«وول ستريت جورنال» بعناوين من هذا النوع: «هيمنة الدولار في الميزان» أو «مستقبل النظام النقدي العالمي يتقرر في صنعاء المدينة التي بنيت داخل فم بركان خامد».

كيف يمكن لبلد صغير وفقير على نحو بائس ومليء بالناس الذين يعيشون المعاناة أن يكون في وضع يسقط معه الإمبراطورية الأنغلو- أميركية.

أولا السياق، فهذا العام لم يكن عاما جيدا بالنسبة لنخبة السلطة في الغرب، واليمن بلد واحد فقط يتعرض للاضطراب وهناك بلاد أخرى في الشرق الأوسط على شفا الحرب الأهلية أو تعاني منها بالفعل مثل ليبيا، وفي حقيقة الأمر أن هناك مئات الأماكن في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا يتظاهر فيها الناس ويقومون بمسيرات أو يقاتلون بمستويات مختلفة من الكفاءة والتنظيم.

وفي أفغانستان يقال إن إدارة الرئيس أوباما تبحث يائسة عن الملا عمر زعيم طالبان الذي تشير التقارير بين حين وآخر إلى أنه قتل أو أنه مفقود، ويتمنى المسؤولون الأميركيون بدورهم أن يعثروا على الملا عمر بحيث يتمكنون من التوصل إلى صفقة تعلن بمقتضاها الولايات المتحدة الانتصار، ويحتفظ الملا عمر بالأرض، ويا له من انتصار.

إن ليبيا الآن في حالة جمود والصين هي أفضل صديق جديد لباكستان، وقادة باكستان ينفون من جديد ما قالته وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون منذ فترة قصيرة فحسب، من أن الجيش الباكستاني كان يوشك على شن هجوم كثيف ضد طالبان البشتون، ويقول هؤلاء القادة إن هذا ليس صحيحا.

في غضون ذلك ينام شباب مصر في الشوارع، وشباب تونس ليسوا أكثر سعادة، بل إنه في فلسطين هناك انتفاضة.

إن اليقظة العربية هي حقا ظاهرة إقليمية إن لم تكن عالمية، والطبع لدينا الاسم الذي نطلقه عليها وهو «إصلاح الإنترنت». إنه الشيء نفسه حقا تماما، فكما أطلقت مطبعة غوتنبيرغ النهضة والإصلاح، فكذلك أطلقت الإنترنت تغيرا اجتماعيا مهما، والعالم لن يكون على حاله أبدا.

لقد كانت الحركات الشبابية التي انطلقت تحت مظلة تحالف الحركات الشبابية في أميركا الذي رعته «سي آي إيه» وراء الثورات الملونة الأولى، ولكن علينا أن نلاحظ كيف توقفت صحافة التيار الرئيس عن الاحتفاء بها، ربما لم تسر حسبما كان مخططا لها. إما أن النخب الغربية تشجع سلاسل من الجمهوريات الإسلامية العربية (لكي تدعم ما يبدو جوهريا حربا زائفة على الإرهاب)، أو أنها تحاول إيجاد أنظمة ديمقراطية قابلة للسيطرة عليها يحتمل أن تدار من قبل عسكريين يمكن الاعتماد عليهم، مع وجود واجهة دستورية.

إن أيا من هذين الخيارين لا يبدو عمليا في المدى القصير.

يسعى الغرب على نحو بديل إلى فوضى معممة لسبب ما، أو أنه فقد السيطرة على الموقف، وكما أشرنا من قبل فإن اليمن مهم لأنه قد يشير على نحو جيد إلى أي مدى يتمتع الغرب فعلا بالسيطرة على اليقظة العربية، حتى الآن كان الترنح هو الشيء الأكثر بروزا، والغرب لم يظهر قبضة قوية، وهناك أسباب تكمن وراء هذا.

ربما كان اليمن في غمار عملية الخروج من السيطرة الغربية، فبعد اصابة صالح نقل عنه قوله: «إنني أحيي قواتنا المسلحة وقوات الأمن لوقوفها بحزم لمواجهة هذا التحدي من قبل عصابة خارجة على القانون ليست لها علاقة بما يسمى ثورة الشباب». ومن المثير للاهتمام أن الكلمات التي استخدمها صالح هي «العصابة الخارجة على القانون» فيما كانت المعارضة القبلية لحكمه توكل شن الهجوم عليه. وفيما يبدو فإن الأمر يمكن أن يكون ما قد يسميه المرء «مهمة داخلية».

وهذا يعني أن أفرادا محالفين شكليا لصالح قد حاولوا القضاء عليه، ولم لا؟ فهو قد حكم اليمن قرابة 30 عاما من خلال مزيج من التلاعب والتعذيب، وشأن القذافي فإن طريقته في البقاء في السلطة هي «فرق تسد» التي من خلالها يضرب قبائل مختلفة بأخرى.

إن اليمن هو «بقعة قبيلة منعزلة» مثل أفغانستان، مكان لا تهتم به النخبة الأنغلو- أميركية. والأمر يشبه قيام فتى بإلقاء حجر على بيت فتاة جميلة، فقد تصادف أنه كان هناك، وهكذا فإن الولايات المتحدة قد تصادف أنها كانت في أفغانستان والعراق، وفي حقيقة الأمر فإن واشنطن مهتمة إلى حد كبير بهذين البلدين.

على أي محمل من الجد تحمل الإمبراطورية الأنغلو- أميركية أفغانستان؟

حاول أن ترد على هذا السؤال من خلال الإشارة إلى إنفاق يقدر بتريليوني دولار وإلى ألوف القتلى وعشرات الألوف من الجرحى. حقا إن التكلفة الإجمالية لم تبلغ تكلفة فيتنام «50 ألف قتيل ونصف مليون جريح» ولكن هناك دليلا يعتد به على أن الولايات المتحدة كانت تقلل من عدد القتلى والجرحى هناك من خلال العديد من أساليب التلاعب.

لم يطرح اليمن قط نوعية المشكلات التي طرحتها أفغانستان، ويرجع هذا في احد جوانبه إلى أنه أكثر صعوبة في إخضاعه عسكريا من طالبان البشتون العنيدين، وقد أراد الغرب تجنب التورط في اليمن بقدر الإمكان خارج نطاق السيطرة على الساحل.