كانت السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط طوال عقود مشلولة بفعل ما وصف ب«المعضلة الإسلامية»، بمعنى كيف يمكن للولايات المتحدة تشجيع الديمقراطية في المنطقة من دون المخاطرة بوصول الإسلاميين إلى السلطة؟ الآن يبدو أنه لم يعد أمامها خيار آخر. فقد أسقطت الثورات الشعبية النظامين التسلطيين المدعومين من الولايات المتحدة في كل من تونس ومصر، ووضعت ليبيا تحت الإشعار. وإذا ما تشكلت حكومات ديمقراطية فعلية فمن المرجح أن تتضمن تمثيلا مهما لجماعات من التيار الإسلامي الرئيسي. وسيتعين على الولايات المتحدة أن تتعلم كيف تتعايش مع الإسلام السياسي.
لكن، الجماعات الإسلامية لم تخلق الشعور بالعداء لإسرائيل الموجود في المجتمعات العربية أصلاً، وإنما عكسته فقط ورفعته عاليا. وتوجد في الشرق الأوسط أرضية خصبة للمواقف المعادية لإسرائيل، حيث تقوم جماعات عدة وليس الإسلاميون فقط بل أيضا اليساريون والقوميون، بالتنافس في إظهار الكره لإسرائيل.
إن قرب البلاد عضويا ومجاورتها للصراع الإسرائيلي الفلسطيني يوضح مدى شراسة هذه المواقف. وليس صدفة أن جبهة العمل الإسلامي الأردنية، وهي الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين الأردنية، هي إحدى الجماعات الإسلامية المعادية بشدة لإسرائيل في العالم العربي. وفي المقابل، في الجزائر وتونس، فإن فلسطين تحتل مرتبة متراجعة في أولويات عمل الإسلاميين.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الجماعات الإسلامية الرئيسية حساسة بالنسبة للرأي العام الدولي، وهي تذكر جيدا ما حصل عقب الفوز الانتخابي للإسلاميين في الجزائر عام 1991 والأراضي الفلسطينية عام 2006، وتدرك أن على المحك مساعدات وقروض من المؤسسات المالية الدولية وتجارة واستثمارات، كذلك تعي بأن توظيفها في سياسة خارجية مثيرة للجدل سيؤدي بالمجتمع الدولي إلى سحب دعمه للديمقراطيات الحديثة مما يقوض احتمالات النجاح.
ولهذا السبب، على سبيل المثال، في عام 2003 اقترعت أكثرية أعضاء حزب الشعب الجمهوري التركي العلماني ضد دعم الحرب التي تقودها أميركا ضد العراق، في حين اقترع لصالحها معظم الإسلاميين الموالين لحزب العدالة والتنمية الحاكم. وحتى حماس، التي ينظر إليها بأنها من ضمن الجماعات الإسلامية الرئيسية الأكثر تشدداً، خففت سياستها تجاه إسرائيل بعد فوزها الانتخابي عام 2006، حيث قالت إنها سوف تقبل بحدود 1967 بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية.
ولأسباب مماثلة، أعلن بعض المسؤولين في جماعة الإخوان المسلمين المصرية والأردنية بصراحة أنهم سوف يحترمون معاهدة السلام التي أبرمتها دولتهم مع إسرائيل، على الرغم من تهديد البعض بالانفصال. وبمعزل عن هذا التهديد، من المرجح أن تسود سياسة الاعتدال، إذا انضم الإسلاميون إلى حكومة ائتلاف في مصر، وأن يجري القبول بمعاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1979، وإن على مضض، كحقيقة من حقائق الحياة.
تقارب بالصدفة
ويمكن أن تلتقي مصالح الإسلاميين والمصالح الأميركية بالصدفة تقريباً كذلك. ففي تحد للرأي العام، قامت شخصيات في جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بانتقاد حزب الله لاستدراجه إسرائيل إلى الهجوم على لبنان في عام 2006. وفي السياق نفسه، قامت جماعة الإخوان المسلمين المعروفة باسم الجماعة الإسلامية في لبنان بالانحياز إلى جانب المؤيدين للولايات المتحدة، أي تحالف 14 آذار.
وهذا لا يعني أنه ليس هناك ما يستدعي القلق بالنسبة لأميركا. فالحكومات الديمقراطية تعكس المشاعر الشعبية في الشرق الأوسط، وهذه المشاعر هي ضد إسرائيل والهيمنة الأميركية في المنطقة. فإذا ما استمر الصراع العربي الإسرائيلي، أو ما هو أسوأ، إذا ما اشتعلت حرب، فأن حكومات الشرق الأوسط سواء ضمت الإسلاميين أم غيرهم، سوف تكون تحت ضغط اتخاذ موقف قوي في دعم حقوق الفلسطينيين.
في ظل ديمقراطيات شابة أو ناضجة على السواء، فإن مثل هذه الضغوط من الصعب أن يجري صدها. وحالة الأردن في أوائل التسعينات هي جديرة بالدراسة. ففي عام 1991، سيطرت جماعة الإخوان المسلمين، عقب انتخابات 1989، على خمس وزارات، كجزء من حكومة ائتلاف لم تعمر طويلاً.
وعندما بدأت الولايات المتحدة في أواخر التسعينات بالتحضير لاتخاذ تدابير عسكرية ضد الرئيس العراقي السابق صدام حسين ردا على غزوه للكويت، أدان البرلمان الأردني العدوان الغربي وكثف ضغطه على العاهل الأردني آنذاك الملك حسين في سبيل معارضة التدخل الأميركي، وهذا ما فعله، على الرغم من التبعات الدولية الواضحة لهذا الأمر. ومن جانبها، فإن جماعة الإخوان المسلمين، وهي خصم عنيد لنظام صدام العلماني، تحدثت في البدء ضد العدوان العراقي، وأعربت عن دعمها الكامل للكويت، لكن بعد نزول الأردنيين إلى الشارع للاحتجاج على الحرب، عكست جماعة الإخوان المسلمين مسارها، وركبت الموجة المعادية للأميركيين.
تجربة دالة
إذن ما الذي يعنيه كل هذا لتونس ومصر وغيرها من البلدان التي تواجه انتفاضات شعبية؟
هتف ناشطو جماعة الإخوان المسلمين في ساحة التحرير في مصر، عندما دعا الرئيس الأميركي أوباما في 1 فبراير لانتقال فوري وذي مغزى إلى ديمقراطية حقيقية في مصر.
في تلك الأثناء، قال صبحي صالح، وهو عضو الإخوان المسلمين الوحيد في لجنة تعديل الدستور لصحيفة «وول ستريت جورنال» إن منظمته «أكثر قربا من النموذج التركي» الأمر الذي يشير إلى تطور جماعة الإخوان باتجاه معتدل وأكثر براغماتية.
وبدوره، مال الإعلام الغربي إلى جعل الثورات التي تجتاح الشرق الأوسط مثالية، حيث جرى تصوير ساحة التحرير باعتبارها المدينة الفاضلة والمصريين كأشخاص في طور التحول إلى ليبراليين مؤيدين لأميركا. صحيح أن المصريين أظهروا خلال ثورتهم مهارة في الاحتجاج والتعبير السلمي والحكم الذاتي، لكن في ظل كل التحولات خلال الأشهر الماضية، تبقى الولايات المتحدة قوة تحافظ على الوضع الراهن، في منطقة تشهد تغييرات جذرية، وفيما كان العرب على امتداد المنطقة يتظاهرون ضد النظام التسلطي فقد كانت الولايات المتحدة بنظرهم مركزية في بقائه.
وفي الصميم، فإن الثورات التي اجتاحت الشرق الأوسط تدور حول الكرامة وحق تقرير المصير. بالنسبة للمحتجين، فإن الكرامة تعني لعب دور أكثر نشاطا واستقلالية في المنطقة. ولحظة الالتقاء الظاهري بين الإسلاميين والولايات المتحدة خلال الثورات لا تعني أن الإسلاميين يجب أن يوافقوا أو أنهم سيوافقون على كل مسائل السياسة الخارجية في المستقبل.
خلال الانتفاضات، شعر المحتجون بأن الضغوطات الأميركية على الأنظمة الفردية هي حاسمة لنجاحهم. ومثل أي من الجماعات السياسية، فإن الإسلاميين يكونون أكثر حذرا وهم ضعفاء. لكن ما أن تقوم الجماعات الإسلامية بتقوية مواقعها فسيكون صبرها أقل في مواجهة إلحاح الولايات المتحدة على إسرائيل أو عملية السلام.
سوف يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تشكل حكومات جديدة في تونس ومصر سياسات خارجية قوية، لكن على واشنطن أن تستبق الأمر في سبيل تقليص المخاطر بعيدة المدى. في المرحلة الانتقالية، فإن إدخال إصلاحات دستورية ومؤسسية لنقل السلطة سيكون مسألة حساسة. إن أنظمة انتخابية نسبية تشجع تشكيل حكومات ائتلافية قد تكون أفضل من أنظمة أغلبية، لأنها ستدخل عملية تشكيل السياسة الخارجية في مسار من التفاوض بين أحزاب عديدة، الأمر الذي يجعل النتيجة بالضرورة أكثر اعتدالا.
إن معظم الإسلاميين المنتمين للتيار الرئيسي لديهم مصالح متداخلة مهمة مع الولايات المتحدة، مثل تفكيك القاعدة وملاحقة الإرهاب وتحسين مستويات المعيشة إلى جانب تعزيز الحكم الديمقراطي. وقد تكتشف الولايات المتحدة من خلال إطلاق حوار منظم وذي مغزى معهم حول مخاوف حيوية في السياسة الخارجية، التقاء في المصالح أكثر مما تتوقعه. وبالطبع، فإن احد الحوارات القليلة على هذا المستوى أجرته الولايات مع حزب العدالة والتنمية في المغرب، وكان حواراً ناجحا، حيث خفف الحزب انتقاده نسبيا لأميركا.
وعلى أي حال، فإن الثورات كشفت قصر نظر السياسة الأميركية الحالية في المثابرة بتجنب إقامة اتصالات رسمية مع جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات ذات التوجه نفسه. والغرب يعي أقل مما يجب حقيقة قوى المعارضة الأكثر تأثيرا في مصر.
ويمكن للولايات المتحدة أن تأخذ خطوات حذرة، ويتعين عليها ذلك، لكن هذا لن يعدل من حقيقة لا مفر منها. سوف يبقى الرأي العام المعادي لإسرائيل سمة في سياسة الشرق الأوسط إلى حين عقد اتفاق سلام نهائي وعادل. وإذا كان هذا الأمر سيحصل في أي وقت، فيعتمد ذلك جزئيا على حركة حماس. فإذا ما التحقت حماس أخيرا بحكومة وحدة وطنية في الأراضي الفلسطينية وهي بدورها تفاوضت على تسوية مع إسرائيل، فسوف يعالج هذا بفعالية قضية إسرائيل لدى الجماعات الإسلامية الأخرى، لكن من غير المرجح أن تكون حماس متعاونة بعد أن زادت الثورات من قوتها.
