تحمل موجة الثورات التي تكتسح الشرق الأوسط، شبها مذهلا بزلازل سياسية سابقة، وكما هي الحال في أوروبا عام 1884، فإن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والبطالة المرتفعة قد ساهما في الاحتجاجات الشعبية من المغرب إلى اليمن، وكما هي الحال في شرق أوروبا والاتحاد السوفييتي في 1989، فإن الإحباط حيال النظم السياسية المغلقة والفاسدة والبعيدة عن الاستجابة، قد أفضى إلى عمليات الابتعاد عن السلطة في صفوف النخب، وسقوط النظم التي كانت قوية في وقت من الأوقات في تونس ومصر وربما ليبيا.
غير أن عامي 1884 و1989 ليسا القياسين الصحيحين لأحداث الشتاء الماضي في العالم العربي، فثورات 1884 سعت لإسقاط النظم الملكية التقليدية، وثورات 1989 استهدفت إسقاط الحكومات الشرعية، أما الثورات في 2011 فإنها تقاتل شيئا مختلفا تماما، وهو الأنظمة الدكتاتورية. وعلى الرغم من أن هذه الأنظمة تبدو غالبا مستعصية على الاهتزاز، فإنها بالفعل ضعيفة إلى حد كبير بسبب الإستراتيجيات ذاتها التي تستخدمها للبقاء في السلطة، والتي تجعلها هشة وليست قوة. وليس من قبيل المصادفة أنه على الرغم من أن الاحتجاجات الشعبية قد هزت معظم أرجاء الشرق الأوسط، فإن الثورتين اللتين نجحتا حتى الآن وهما ثورتا تونس ومصر، كانتا ضد نظامين دكتاتوريين حديثين.
عوامل ضرورية
لكي تنجح ثورة ما فإن عددا من العوامل ينبغي أن تجتمع، فالحكومة يجب أن تظهر بمظهر الظالم أو العاجز على نحو لا علاج له، بحيث يـُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها تهديدا لمستقبل البلاد، والنخب بصفة خاصة في المؤسسة العسكرية لا بد من أن تبتعد عن الدولة ولا تعود راغبة في الدفاع عنها، ولابد أن يتحرك قطاع عريض من السكان يضم جماعات عرقية ودينية وطبقات اجتماعية واقتصادية، ولا بد للقوى الدولية إما أن ترفض التدخل للدفاع عن الحكومة، أو تكبح جماحها وتمنعها من استخدام الحد الأقصى من القوة للدفاع عن نفسها. نادرا ما يكتب الانتصار للثورات لأن هذه الظروف نادرا ما تأتي معا، وهذه هي الحال بصفة خاصة في الأنظمة الملكية التقليدية وفي الدول ذات الحزب الواحد، التي غالبا ما يفلح قادتها في الحفاظ على التأييد الشعبي، وذلك بمناشدات تستهدف الحفاظ على الاحترام للتقاليد الملكية أو للنزعة الوطنية.
والنخب التي غالبا ما تثريها هذه الحكومات لن تتخلى عنها إلا إذا تغيرت ظروف حكامها، أو أيديولوجيتها بشكل مفاجئ. وفي كل الحالات تقريبا فإن الحشد الجماهيري واسع النطاق هو أمر يصعب تحقيقه، لأنه يقتضي مد الجسور بين المصالح المتعارضة لفقراء الريف والحضر، الطبقة المتوسطة، الطلاب، المهنيين والجماعات العرقية أو الدينية المختلفة.
ويحفل التاريخ بالحركات الطلابية والإضرابات العمالية والانتفاضات الفلاحية التي تم قمعها لأنها ظلت انتفاضة جماعة واحدة، وليست انتفاضة تحالفات عريضة النطاق. وأخيرا فقد تدخلت الدول الأخرى غالبا لدعم الحكام الذين يتعرضون للضغوط، وذلك بهدف تحقيق استقرار النظام الدولي.
غير أن هناك نوعا آخر من الأنظمة الدكتاتورية الذي غالبا ما يبرهن على أنه الأكثر ضعفا، ونادرا ما يحتفظ بالسلطة لأكثر من جيل واحد. ومثل هذه الحكومات تنشأ عندما يوسع قائد وطني سلطته الشخصية على حساب المؤسسات الرسمية، مثل هؤلاء الدكتاتوريين لا يطرحون ايديولوجية بعينها وليس لهم هدف إلا الحفاظ عل سلطتهم الشخصية، وقد يحتفظون ببعض الجوانب الشكلية من الديمقراطية، مثل الانتخابات والأحزاب السياسية والجمعيات الوطنية أو الدستور، ولكنهم يحكمون فوق هذا كله باعتماد مؤيدين متواطئين معهم يشغلون المناصب الرئيسية، وفي بعض الأحيان بإعلان حالة الطوارئ التي يبررونها بالإشارة إلى المخاوف من الأعداء الداخليين أو الخارجيين.
وراء الكواليس
ووراء الكواليس، فإن مثل هؤلاء الدكتاتوريين يراكمون بصفة عامة ثروة هائلة يستخدمونها لشراء ولاء المؤيدين ومعاقبة الخصوم، ولأنهم يحتاجون إلى الموارد لتسيير ماكينة رعايتهم، فإنهم يروجون تقليديا للتنمية الاقتصادية من خلال التصنيع والصادرات السلعية والتعليم، وهم يسعون أيضا إلى علاقات مع الدول الأجنبية ويعدون بالاستقرار مقابل المساعدة والاستثمار. غير أن معظم الثروة التي ترد إلى البلاد يتم تحويلها إلى الدكتاتور وأقاربه وأتباعه.
يسيطر الدكتاتوريون الجدد على النخب العسكرية في بلادهم بإبقائها مفرقة، وبصورة تقليدية يتم تقسيم قوات الأمن إلى قيادات عديدة (الجيش، الطيران، الشرطة، المخابرات) ويحتكر القائد الاتصال بين القيادات وبين العسكر والمدنيين، وكذلك الاتصال بالحكومات الأجنبية، وهي ممارسة تجعل هؤلاء الدكتاتوريين الجدد مهمين بالنسبة لكل من تنسيق القوى الأمنية وتوصيل المساعدة والاستثمار الأجنبيين. ولدعم المخاوف من أن المساعدة الأجنبية والتنسيق السياسي سيختفيان في غيابهم فإن هؤلاء الدكتاتوريين الجدد يتجنبون تقليديا تعيين خلفاء محتملين لهم.
ولإبقاء الجماهير بعيدا عن الحياة السياسة وعن التنظيم، يعمد الدكتاتوريون الجدد إلى السيطرة على الانتخابات والأحزاب السياسية، ويرشون السكان بأشكال الدعم للسلع الرئيسية مثل الكهرباء، الوقود والمواد الغذائية. وعندما يتم الجمع بين هذه الجهود وبين الرقابة والسيطرة الإعلامية والتهديد، فإنها بشكل عام تضمن بقاء المواطنين بعيدا عن التواصل فيما بينهم وملتزمين بالسلبية.
وباتباع هذه الأنماط فإن الدكتاتوريين الجدد على امتداد العالم قد أفلحوا في تراكم ثروة طائلة وتحقيق تركز هائل للسلطة، ومن أشهرهم في التاريخ القريب بورفريو دياز في المكسيك، محمد رضا شاه بهلوي في إيران، عائلة سوموزا في نيكاراغوا، عائلة دوفالييه في هاييتي، فردناند ماركوس في الفلببين وسوهارتو في إندونيسيا.
ولكن كما تعلم هؤلاء الدكتاتوريين الجدد جميعا، وكما تعلم نظراؤهم في الشرق الأوسط، ومن بينهم زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، ومعمر القذافي في ليبيا، وعلي صالح في اليمن، فإن السلطة المركزة أكثر مما ينبغي يصعب الاحتفاظ بها.
وعلى الرغم من محاولة هؤلاء الدكتاتوريين الجدد دعم أنفسهم فإنهم يعانون من نقاط ضعف تزداد خطورة بمرور الوقت، فالدكتاتوريون الجدد يتعين عليهم إقامة توازن دقيق بين إثراء أنفسهم ومكافأة النخب، وإذا كافأ الحاكم نفسه وأهمل النخبة فإن حافزا رئيسيا للنخبة لدعم نظامه يزول، ولكن مع شعور الدكتاتوريين الجدد بأنهم أكثر صمودا ولا يستغنى عنهم، فإن فسادهم غالبا ما يصبح ضاريا، ويتركز وسط الحلقة الضيقة الداخلية المحيطة بهم.
وفيما يحتكرون المساعدة والاستثمار الأجنبيين أو يقتربون أكثر من اللازم من الحكومات الأجنبية التي لا تتمتع بالشعبية، فإنهم قد يبعدون النخبة والجماعات الشعبية بشكل أكبر. وفي غضون ذلك، وبينما ينمو الاقتصاد ويتوسع التعليم في ظل الدكتاتور الجديد، فإن عدد الناس من ذوي التطلعات الأكبر والحساسية الأعلى إزاء تدخلات الشرطة ورجال الأمن يزداد.
وإذا زاد السكان بكاملهم بسرعة بينما تحتفظ النخبة بنصيب الأسد من المنافع الاقتصادية، فإن الظلم والبطالة يتفاقمان، ومع ارتفاع تكاليف الدعم وغيره من البرامج التي يستخدمها النظام لتهدئة المواطنين، فإن إبقاء الجماهير غير مسيسة يفرض ضغطا على النظام، وإذا بدأت الاحتجاجات فإن الدكتاتوريين الجدد ربما يعرضون إصلاحات أو يوسعون نطاق فوائد الرعاية على نحو ما فعل ماركوس في الفلبين عام 1984 لتجنب تصاعد الغضب العام. غير أنه كما تعلم ماركوس في عام 1986، فإن هذه الأساليب لا تتسم بالفعالية بشكل عام عندما تبدأ الجماهير في التطلع إلى إنهاء حكم الدكتاتور الجديد.
وتمثل الثورات المنطلقة على امتداد الشرق الوسط انهيارا لأنظمة دكتاتورية متفاقمة الفساد، وعلى الرغم من أن الاقتصادات على امتداد المنطقة قد نمت في السنوات الأخيرة، فإن المغانم لم تصل إلى يد غالبية الناس، وإنما راكمتها قلة من الأثرياء، وعلى سبيل المثال فإن التقارير تفيد أن مبارك قد راكم ثروة تتراوح بين 40-70 مليار دولار هو وعائلته. ويشار كذلك إلى أن 39 مسؤولا ورجل إعلام مقربين من نجله جمال مبارك قد راكموا ثروات يدور متوسطها حول مليار دولار لكل منهم.
المدى الزمني
وفي تونس أشارت برقية دبلوماسية تعود إلى عام 2008، نشرها موقع ويكيليكس، إلى قفزة في الفساد هناك، وتتضمن البرقية التحذير من أن عائلة بن علي تصل إلى حد من التغول في اقتناص الثروات إلى درجة أن الاستثمار الجديد وتوفير الوظائف يتعرضان للاختناق وأن طموح عائلته يثير غضبا واسع النطاق.
إن من يأملون في أن تحقق تونس ومصر تحولا إلى الديمقراطية المستقرة على وجه السرعة يحتمل أن يخيب أملهم، فالثورات ليست إلا بدايات لعمليات طويلة، وحتى بعد الثورة السلمية فإن الأمر يقتضي بصفة عامة نصف عقد من الزمان لكي يتدعم أي نوع من الأنظمة المستقرة، أما إذا نشبت حرب أهلية أو ظهرت ثورة مضادة، كما يحدث الآن في ليبيا، فإن إعادة بناء الدولة يستغرق وقتا أطول.
وعلى الرغم من ذلك فإنه لا يزال هناك ما يدعو للتفاؤل، فقبل عام 2011 كان الشرق الأوسط البقعة الوحيدة على خريطة العالم المجردة عمليا من الديمقراطية، وتبدو ثورتا الياسمين والنيل مصممتين على تغيير هذا كله، وأيا كانت النتيجة النهائية فـإنه يمكننا أن نقول ما يلي: إن حكم الدكتاتوريين الجدد في سبيله إلى الانتهاء.
