كان شهر مايو الماضي في الشرق الأوسط تعاملا فجا مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، والأكثر من هذا أنه شهد تردي مكانة الولايات المتحدة في المنطقة إلى أدنى مرتبة لها، منذ لقاء روزفلت بالملك عبد العزيز آل سعود على متن السفينة الأميركية كوينسي في البحيرات المرة في 1945.

وبينما قدم أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مسرحيتهما الهزلية في واشنطن مع تذلل أوباما كالمعتاد، واصل العرب عملهم الجاد في تغيير العالم متظاهرين ومقاتلين ولافظين أنفاسهم الأخيرة من أجل الحريات التي لم يحصلوا عليها قط. وواصل أوباما الحديث عن التغيير في الشرق الأوسط وعن دور أميركا الجديد في المنطقة، وكان ذلك أمرا مؤسفا. وقد سألني صديق مصري أخيراً: «ما هذا الحديث عن مسألة الدور هل لا يزالون يعتقدون أننا نهتم بما يفكرون فيه؟».

وهذا صحيح فإخفاق أوباما في دعم الثورات العربية أفقد الولايات المتحدة معظم ما بقي من مصداقيتها في المنطقة ، فقد لزم الصمت فيما يتعلق بالإطاحة بالرئيس التونسي السابق بن علي، ولم ينضم إلى جوقة الهجوم على الرئيس المصري السابق حسني مبارك إلا بعد يومين من تنحيه عن منصبه، وقد جثا على ركبتيه. أما إسرائيل فهل عجيب إذا أن يدير العرب ظهورهم لأميركا، ليس بفعل الحنق أو الغضب، ولا التهديدات أو العنف، وإنما بفعل الازدراء؟ إن العرب والمسلمين في الشرق الأوسط هم الذين يتخذون القرارات حالياً.

وتشعر تركيا بالغضب الشديد حاليا إزاء الوضع في سوريا، وهي تتابع المئات من اللاجئين وهم يتدفقون من سوريا عبر الحدود مع لبنان، وتخشى الحكومة التركية الآن أشد الخشية تكرار موجة المد الهائلة من اللاجئين العراقيين الأكراد، التي اجتاحت الحدود التركية في أعقاب حرب الخليج عام 1991، إلى حد أنها وضعت خططها السرية الخاصة لمنع انتقال أكراد سوريا بالألوف إلى المناطق الكردية في جنوب شرق تركيا.

وفي غضون ذلك تحاول قطر منع الجزائر من إعادة تزويد الرئيس الليبي معمر القذافي بالدبابات والمدرعات، وهي فقط ملتزمة بدعم الثوار الليبيين في بنغازي وطائراتها تحلق فوق ليبيا انطلاقا من كريت، وهناك ضباط قطريون يقدمون النصح والاستشارة للثوار في مدينة مصراطة بغربي ليبيا. ولكن إذا كانت المدرعات الجزائرية يتم تسليمها حقا إلى القذافي لتحل محل المدرعات التي تم تدميرها في القصف الجوي، فإن ذلك سيكون بمثابة المبرر للتقدم البطيء على نحو مثير للسخرية الذي تحرزه حملة «ناتو» ضد القذافي.

والأمر بالطبع يعتمد على ما إذا كان بوتفليقه يسيطر حقا على جيشه، أم أن الشريحة المتنفذة من الجزائريين بمن في ذلك الكثير من القادة الكتومين والفاسدين يبرمون الصفقات. والأسلحة الجزائرية أكثر تقدما من أسلحة قوات القذافي، وهكذا فإنه مقابل كل دبابة يخسرها ربما يحصل على دبابة أخرى بنموذج محسّن لتحل محلها. وإلى الجنوب من تونس تشترك الجزائر وليبيا في حدود صحراوية تمتد 750 ميلا وتشكل طريقا سهلا لتدفق الأسلحة عبر الحدود.

ووسط كل هذه الوقائع الكبرى والملحمية فإن اليمن سيبرهن على أنه أكبر حمام دم على الإطلاق، وهل من المدهش وسط الأعداد الكبيرة من القتلى في إطار إصابات الربيع العربي أن تبدو مجادلات أوباما ونتنياهو أمرا بلا أهمية على الإطلاق؟

إن سياسة أوباما نحو الشرق الأوسط، كائنة ما كانت، تبدو في بعض الأحيان بالغة الارتباك إلى حد لا تغدو معه جديرة بالدراسة، وهو بالطبع يدعم الديمقراطية ثم يقر بأن هذا ربما يتضارب مع مصالح أميركا.

يتمثل أحد أكثر العناصر عبثية في السياسة الخارجية الأميركية حيال الشرق الأوسط بالفكرة الأساسية القائلة بأن العرب هم على نحو ما أكثر غباء من باقي البشر، وبالتأكيد أكثر غباء من الإسرائيليين، وأنهم أبعد عن الواقع بكثير من الغرب، إلى حد أنهم لا يفهمون تاريخهم، وبالتالي فلا بد من إلقاء المحاضرات عليهم ومن استدراجهم على طريقة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون.

ولكن العرب هم أبعد ما يكونون عما يتضمنه هذا التصور، فالملايين منهم يتحدثون الإنجليزية بطلاقة تامة، ويمكنهم أن يفهموا على نحو جيد للغاية الضعف السياسي والافتقار للأهمية في كلمات الرئيس أوباما. وعندما يصغي المرء إلى خطاب أوباما الذي امتد على مدار 45 دقيقة الشهر الماضي، والذي كان بمثابة أربعة أيام من الخطب الرنانة والأحاديث البائسة من الرجل الذي حاول أن يمد الجسور إلى العالم الإسلامي في القاهرة قبل عامين ثم لم يفعل شيئا، فإن المرء ربما يظن أن الرئيس الأميركي هو الذي أطلق شرارة الثورات العربية، بينما الواقع أنه جلس في خوف على هامش الأحداث.

يقول أوباما إنه ما من دولة فلسطينية ينبغي ان تعلن في الأمم المتحدة، ولكن لم لا؟ من الذي يكترث في الشرق الأوسط بما يقوله أوباما؟ يبدو أنه حتى الإسرائيليين لا يهتمون بما يقوله. الربيع العربي سيصبح عما قريب صيفا لاهبا وسيكون هناك خريف عربي أيضا، وبحلول ذلك الوقت ربما يكون الشرق الأوسط قد تغير إلى الأبد، وما تقوله أميركا لن تكون له أهمية تذكر.