أظهر الإخوان المسلمون ذكاء في تحقيق مشاركة الشباب العادي في الانتفاضات العربية، وذهبوا في الوقت نفسه إلى القول ان لا علاقة لهم بهذه الانتفاضات في الدول العربية المختلفة، وكان قد تبين لهم انه من خلال الاستمرار في الاحتجاج السلمي يمكن إسقاط الأنظمة، لكن هذا «الاختراع الجديد» يبدو أكثر تعقيداً في اليمن، حيث تقود الانتفاضة أحزاب «اللقاء المشترك» المعارض، والذي يضم حزب الإصلاح الذي يمثل الإخوان المسلمين، كذلك الحزب الاشتراكي اليمني (الحزب الشيوعي اليمني حكم الأجزاء الجنوبية من البلاد)، والحزب الناصري وحزب الحق (الذي يمثل جانباً من الحوثيين) وحزب البعث.
لكن الإخوان المسلمين يهيمنون على كل ما يجري، وبالنظر إلى اعتصام المتظاهرين، يبدو جلياً إن ناشطي «الإصلاح» هم الذين يتولون القضايا الأمنية، ويشرفون على مسرح الأحداث الرئيسي، حيث لا يستطيع أي شاب عادي مشارك في الاحتجاجات التعبير عن آرائه من خلال موقع الاحتجاجات الرئيسي.
كما هناك قضية أخرى تلفت الأنظار وهي قضية تمويل الاحتجاجات، فالمعروف أن ألوف المحتجين الذين كانوا يعتصمون أمام جامعة صنعاء، خلال الشهرين الماضيين، كانوا يتلقون طعاما مجانيا، ولا يستطيع القيام بذلك إلا جهاز منظم بشكل جيد، مثل الإخوان المسلمين، علما أن بعض وسائل الأعلام قد أفادت بأن حميد الأحمر هو الذي يمول المحتجين.
كذلك المعروف أن الإخوان المسلمين في اليمن يسيطرون على صندوق الأقصى الذي يتلقى تبرعات من اليمنيين على امتداد البلاد، وقد أثبتت الوثائق أن الصندوق الذي يفترض أن يقدم الإعانات للفلسطينيين لم يقم بمنح أي مساعدة، ولا احد يعلم أين يجري توزيع هذه التبرعات الهائلة، كما أنه يسيطر أيضا على عدة منظمات خيرية تتلقى مساعدات من المواطنين والعرب بالإضافة إلى تبرعات دولية.
وقد وصلت الأزمة في اليمن إلى ذروتها عندما قام بعض قادة الجيش، والذين هم أعضاء في حزب الإصلاح، بإعلان انفصالهم تأييدا للثورة الشبابية، وقد تبعت ذلك استقالة وزراء وسفراء ومسؤولين وأعضاء في البرلمان كانوا لسنوات يزعمون أنهم أعضاء في البرلمان الذي يهيمن عليه الحزب الحاكم. وقد صوت هؤلاء خلال السنتين الماضيتين مع أحزاب «اللقاء المشترك» في البرلمان، وصدوا العديد من القوانين التي كانت يفترض أن يوافق عليها البرلمان، ومن بينها قانون زواج الفتيات، وكانت سياستهم الاستقالة تدريجيا في سبيل توليد صدمة في ثنايا الحزب الحاكم وبين الأشخاص الذين اعتقدوا أن الدولة تنهار.
ومن خلال الانضمام إلى حركة التغيير التي يفترض أنها سلمية، قام العقيد علي محسن واللواء المدرع الأول الذي يقوده بإفشال ما أطلق عليه نظرية «الاختراع الجديد» حيث تمت مصادرة الثورة الشبابية، وتغيير مسارها من احتجاج سلمي إلى أعمال عنف.
وبعد عدة أيام من إعلان علي محسن دعمه للمحتجين، قتلت قواته خمسة أشخاص، وجرحت أكثر من 67 وسيطاً من قبيلته سنحان التي ينتمي إليها بمن في ذلك وسطاء من قبيلتي بلاد الروس وبني بهلول، كان الرئيس علي عبدالله صالح قد طلب منهم عقد صفقة سلام مع علي محسن.
ولتبرير هذه المجزرة، ظهر علي محسن على «قناة الجزيرة» لاتهام الوسطاء بأنهم مرسلون من قبل صالح لاغتياله. لكن، الشقيق الأكبر لعلي محسن، وهو الشيخ محمد محسن، كان من بين الوسطاء، وقد نفى هذه الاتهامات، وبعد يومين على الحادثة، قام جنود علي محسن وحراس جامعة الإيمان بقتل مؤيدين للرئيس صالح أمام بوابة الجامعة، بعد مشاركتهم في تجمع مؤيد له في صنعاء.
لقد حددت أحزاب اللقاء المشترك التي يقودها حزب الإصلاح أهدافها بإسقاط الرئيس علي عبدالله صالح ونظامه، وذلك باللجوء إلى كل الوسائل المتاحة، ووضعت خططا أيضا لتحقيق هذه الأهداف. لذا، استمرت في رفض كل مبادرات الإصلاح وكل دعوات الحوار. ورفضت عرضا للرئيس علي عبدالله صالح بتشكيل حكومة وحدة وطنية ترأسها أحزاب اللقاء المشترك وتشرف على التعديلات الدستورية المطالب بها، وانتخابات برلمانية ورئاسية وتشكيل نظام حكم برلماني يسلمه الرئيس صالح السلطة، كذلك رفضت اقتراحا من ثماني نقاط قدمه علماء الدين اليمنيون، واقترحت بالمقابل نقاطاً خمسا ما لبثت أن رفضتها بعد موافقة الرئيس اليمني عليها.
وبعد انضمام علي محسن وقواته إلى المحتجين صعدوا الموقف، من خلال الانتقال من مظاهرات اعتصام إلى مظاهرات عنف ومحاولات للاستيلاء على بعض المؤسسات الحيوية. وقد بان هذا في تعز والحديدة، حيث حاول المحتجون الاستيلاء على مقر الحاكمية وقصور رئاسة الجمهورية.
إن المحتجين في صنعاء بدعم من جنود علي محسن بدأوا أيضاً تنظيم مظاهرات في الشوارع والمناطق البعيدة عن مواقعهم في غرب العاصمة اليمنية. وقد حاولوا إقامة مواقع للاعتصام في شرق العاصمة، لكنهم قوبلوا بمقاومة عنيفة من السكان، الذين توافدوا إلى الشوارع في سبيل منعهم من القيام بذلك.
وجرى تصعيد المواقف أيضا عند الإعلان عن جهود وساطة من قبل دول مجلس التعاون، وذلك في سبيل منع أي صفقة للحوار، وأيضاً في سبيل إلقاء اللوم على الحكومة لاستخدامها العنف ضد المحتجين. وقال شاهد عيان إنه رأى على الأقل 15 رجلاً مسلحاً مجهولي الهوية يطلقون النار على المتظاهرين وقوات مكافحة الشغب من شوارع جانبية قرب شارع الزبيري وان الشرطة حاولت إلقاء القبض عليهم، لكنها منعت من قبل جنود اللواء المدرع الأول وذلك قبل يوم من اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض لمناقشة مبادرة لحل الأزمة اليمنية.

