على مدى 60 عاما، احتفل المصريون بذكرى قيام الثورة في 23 يوليو، لكن في السنة المقبلة سوف تحتفل البلاد بيوم الثورة في 25 يناير، الذي يصادف اليوم الأول للاحتجاجات الجماهيرية التي أجبرت الرئيس المصري السابق حسني مبارك على التخلي عن السلطة بعد 30 عاما من الحكم.
وعلى مدى 18 يوما، من 25 يناير إلى 11 فبراير، تظاهر ملايين من المصريين مطالبين بإسقاط النظام. في البداية، واجهت حكومة مبارك هذه الاحتجاجات بالعنف، لكن جهازها الأمني الكبير ما لبث أن انهار في وجه حشود المحتجين الهائلة. فحاولت الدولة بعدها استخدام الدعاية وإخافة الناس، لكن هذا أيضا فشل، فلجأت أخيرا إلى تقديم التنازلات. لكن تنازلاتها كانت محدودة، في الوقت الذي كان عدد الذين ماتوا خلال الاحتجاجات قد ارتفع كثيرا. وخوفا من أن يؤدي تزايد العنف إلى إلحاق الضرر بالهيبة العسكرية، تخلى الجيش عن مبارك، واجبره على التنحي عن منصبه.
كانت المفجر المباشر للاحتجاجات في مصر ثورة الياسمين في تونس، لكن عوامل أخرى كانت تختمر في السياسة والمجتمع المصريين. وجاء سقوط مبارك نتاجاً لعوامل ثلاثة: الفساد المتزايد والتهميش الاقتصادي، اغتراب الشباب، وانتخابات 2010 والانقسامات بين النخب المصرية حول مسألة انتقال السلطة، وعندما التقت تلك التيارات الثلاثة أعطت لقسم عريض من المجتمع المصري أملاً بتحقيق ما لم يكن واردا من قبل، وهو الإطاحة بمبارك من السلطة.
لكن الثورة لم تؤد إلى تغير كامل في النظام، بل حققت تغييرا جزئيا، والمستقبل مرهون بمدى قدرة القوى التي نظمت الثورة على أن تبقى موحدة ومنظمة، ويعتمد على احتمال قيام بعض المجموعات مثل جماعة الإخوان المسلمين بعقد صفقة منفصلة مع الجيش.
الهيكل يتصدع
وفيما الاضطراب الشبابي والعمالي يتزايد، كان صراع آخر يتشكل بين الحرس القديم في مصر، والذي يمثله الجيش والبيروقراطية، والحرس الجديد، الذي يمثله جمال ابن مبارك ومن يدعمه في مجتمع الأعمال والحزب الحاكم.
في بداية منتصف السبعينات، وفي محاولة لدعم مشروعيته قام الرئيس المصري الأسبق أنور السادات بالسماح لأحزاب المعارضة وحركاتها بكسب بعض التمثيل في مجالس البلاد المنتخبة، وحفظ للحزب الحاكم أكثرية الثلثين والسيطرة على الدعائم الحقيقية للسلطة، وعندما جاء مبارك إلى السلطة، اعتمد الصيغة نفسها مع بعض التعديلات الطفيفة.
لكن نظام مبارك، خلال السنوات الخمس الماضية، بدأ بخرق هذا الاتفاق غير المعلن، من خلال فرض تقييد على قدرة الأحزاب السياسية والحركات على التنظيم وخوض الانتخابات، وقد جرى التلاعب بشكل كبير بالانتخابات البرلمانية لعام 2010 ، حيث حرمت كل تجمعات المعارضة من أي تمثيل، فيما حصد الحزب الحاكم 97% من المقاعد. شكلت الانتخابات المزورة لعام 2010 علامة فارقة وخروجاً عن التعددية السياسية المقيدة، التي أسسها السادات، وبدأ البعض يعيد النظر في الفائدة من المشاركة في الانتخابات.
كانت تكتيكات النظام في انتخابات 2010 جزءا من خطة أوسع لضمان انتقال سلس للسلطة من مبارك إلى جمال خلال الانتخابات الرئاسية التالية في 2011. وقد رفضت المعارضة بشكل قوي عملية انتقال السلطة، وكذلك شككت بالأمر كتلة هامة داخل بيروقراطية الدولة والجيش، وبنهاية عام 2010، كان هيكل الحكم قد بدأ يتصدع.
في 25 يناير الماضي، اتفق الناشطون الشباب على الاحتجاج على همجية الدولة، المظاهرة ولدت أخرى، وفيما حجم الاحتجاجات وديناميتها يتزايدان، قام المحتجون بتأسيس تحالف شباب 25 يناير، وقدموا سلسلة مطالب إلى النظام تضمنت استقالة مبارك، ورفع حال الطوارئ، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وحل البرلمان، وتعيين حكومة من التكنوقراط، وصياغة دستور جديد، ومعاقبة المسؤولين عن العنف ضد المحتجين. وقد رفض الناشطون الشباب مفاوضة عمر سليمان الذي عينه الرئيس نائبا له في 29 يناير.
في البداية، كانت المعارضة منقسمة حول المشاركة في الاحتجاجات. بعض المجموعات مثل كفاية، والجمعية الوطنية للتغيير، وحزب الجبهة الديمقراطية، وحزب الغد، وحزب الوفد الجديد أيدت الاحتجاجات، وشاركت فيها يوم 25 يناير، فيما مجموعات أخرى، مثل جماعة الإخوان المسلمين وحزب التجمع اليساري، لم تنضم بشكل رسمي إلى الاحتجاجات إلا يوم 28 يناير.
كذلك، اختلفت المجموعات السياسية المشاركة حول المطالب وأفضل السبل لتحقيقها. فمجموعات مثل كفاية، والجمعية الوطنية للتغيير وحزب الجبهة الديمقراطية وعدد من الشخصيات مثل البرادعي وأيمن نور أيدوا مطالب تحالف الشباب، ورفضوا التفاوض مع النظام إلا بعد تنحي مبارك، أما غيرهم، مثل جماعة الإخوان المسلمين وحزب الوفد الجديد وحزب التجمع وعدد من الشخصيات المستقلة، فقد وافقوا على الدخول في مفاوضات مع نائب الرئيس عمر سليمان، إلا أن مباحثاتهم كانت قصيرة الأمد، حيث رفض النظام القيام بأي تنازلات حقيقية.
موقف الأخوان المسلمين بثقلها وراء الاحتجاجات، لكنها تعمدت إبقاء نفسها بعيدا عن الظهور. كان أعضاؤها الشباب جزءا لا ينفصم من التحالف الذي نظم الاحتجاجات، وبحسب بعض المنظمين شكل مؤيدو الإخوان حوالي ثلث الحشود التي احتلت ساحة التحرير، وقد مثلوا نسبة كبيرة من المحتجين في الإسكندرية والمنصورة، حيث لديهم مؤيدون كثر منذ زمن. وعلى امتداد الاحتجاجات، كان الإخوان المسلمون حذرين في عدم استخدام شعارات دينية أو في التغطية على الناشطين العلمانيين.
وفي الأسبوعين الأولين من الثورة، لم تلعب الحركات العمالية والمجموعات المهنية دورا ملحوظا، بسبب إغلاق النظام كل الأنشطة الاقتصادية، لكن مع عودة النشاط في الأسبوع الأخير، بدأ العمال والمهنيون بتنظيم إضرابات، وفي اليومين اللذين سبقا استقالة مبارك، كانت البلاد تقترب من حالة العصيان المدني المعمم، وكان هذا التطور هو الذي اقنع الجيش أخيرا بخلع مبارك واستلام الحكم.
الأيام الأخيرة
خلال الأسابيع الثلاثة من الاحتجاجات، ضمت المجموعات المتنافسة جهودها ضد النظام، وكانت هناك مخاوف من أن تنقسم المعارضة على نفسها، وأن تمضي إحدى الفصائل قدماً بصفقة منفصلة مع النظام، ولكن تحولاً في هذا الاتجاه لم يحدث. وفي النهاية، أجبرت وحدة المعارضة والتعبئة الشعبية الواسعة الجيش على خلع مبارك. وفي المقابل، عانى النظام من انقسامات عدة خلال الأزمة. في الأسبوع الأول، حاولت الدولة نزع الفتيل من خلال تعيين جمال مبارك أميناً عاماً مساعداً للحزب الحاكم وتطهير رجال الاعمال المقربين منه في الحزب والبرلمان، فأجهضت هذه التدابير سيناريو التوريث المكروه، وأمل مبارك أن تبدأ الاحتجاجات في فقدان قوتها. لكن، في اليوم الثاني، بعد إعلان مبارك تنحيه في سبتمبر، وقيام قوات الأمن والبلطجية المستأجرين بالهجوم على المحتجين، مما أسفر عن مقتل 11 شخصا في ساحة التحرير وحدها، تحولت دينامية الاحتجاجات مجددا ضد النظام، وزادت المطالبة باستقالة مبارك حدة، فيما انضمت أعداد غفيرة إلى الاحتجاجات من العمال والمهنيين.
أما الجيش الذي كان حتى تلك اللحظة داعماً لمبارك وممتنعاً عن استخدام القوة، فبدأ يظهر إشارات تحريض. كان المحتجون قد رحبوا بوجود الجيش في الشوارع، وحثوه على الوقوف إلى جانبهم، لكن حتى الأيام الأخيرة من الأزمة، بدا الجيش وكأنه يدعم خطة مبارك في البقاء في السلطة حتى سبتمبر، على أن يشرف على انتقال منظم إلى الديمقراطية، ولقد تطلب الأمر لكي يتخذ الجيش أخيرا قرار الانفصال عن مبارك، انضمام مجموعات جديدة إلى الاحتجاجات، بالإضافة إلى احتمال متزايد لأن يصطدم المحتجون بالحرس الرئاسي.
في 10 فبراير، ألقى الناطق باسم المجلس الأعلى للقوات المسلحة بيانا قال فيه إن المجلس يدعم المطالب المشروعة للشعب، وتوقع الجميع أن يستقيل مبارك في الليلة نفسها، لكنه لم يفعل، وفي اليوم التالي، قام الجيش بخلعه، وأحكم السيطرة على البلاد، وبعدها بأسبوع علق الدستور وحل البرلمان.
حضور الديمقراطية
إن الثورة التي خلعت مبارك نتج عنها انحلال جزئي فقط لنظامه. والضحايا الرئيسيون هم عائلة مبارك، ونخب رجال الأعمال المقربون منها، وشخصيات قيادية في بيروقراطية الدولة والحزب الحاكم وأعضاء من جهاز امن الدولة.
أما البنية الأساسية للنظام فلم يجر المساس بها إلى حد كبير، ولا زال الجيش وبيروقراطية السلطة يسيطران بشكل صارم على البلاد، وهما في وضع يتيح لهما فرض مسار الانتقال في الأشهر المقبلة. ومنذ الآن، فان المجلس الأعلى للقوات المسلحة يحكم مصر، أما بيروقراطية الدولة والتي تتألف من حوالي 6 ملايين شخص، فقد بقيت في مكانها، حيث وزارات الدولة ووكالاتها لم يجر عليها أي تعديل، ولا تزال مسؤولة عن الشؤون اليومية للناس.
تعديل هيكلي للاقتصاد المصري
في بداية التسعينات، أجبرت أزمة اقتصادية وشيكة ناتجة عن مستويات متفاقمة من الدين الخارجي حكومة مبارك على التوقيع على اتفاق يتضمن إجراءات تعديل هيكلي للاقتصاد، جرى بموجبه تحرير التجارة وأسعار السلع والفائدة، وتعليق العمل بالتوظيف الحكومي، وخصخصة عدد من شركات القطاع العام، وإيقاف الدعم لعدد من السلع، وتقليص الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية. ولقد عانى من هذه الإجراءات أكثر من غيرهم عمال المصانع والفلاحون المعدمون وموظفو الحكومة، ومنتجو السلع للسوق المحلي، الذين كانوا يعتمدون على الدعم الحكومي وعلى حماية السوق المحلي. وفي المقابل، ظهرت نخبة جديدة من رجال الأعمال، مستفيدة من الإصلاحات الاقتصادية، وحققت ثروات طائلة.
وفي ظل تلك الارستقراطية الحديثة من رجال الأعمال، بدأت تنمو أيضا طبقة وسطى ثرية. وسرعان ما ظهر مجتمع ثنائي: تهميش أكثرية الشعب المصري، مقابل إثراء أقلية صغيرة. بالإضافة إلى ذلك، ظهر تحالف آثم بين النخبة الحاكمة ونخبة رجال الأعمال، حيث قلة مختارة من المقربين من الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، وجدوا أنفسهم بامتيازات لشراء أراض وشركات عامة أو للحصول على تراخيص وعقود من الدولة. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، بدأ العديد من العمال اليدويين والمهنيين المتعلمين، في تنظيم احتجاجات خارج سيطرة النقابات، وصلت إلى حوالي 700 احتجاج في عام 2010 كانت تميل إلى التركيز على مطالب ذات طبيعة عمالية وتتجنب القضايا السياسية. معايير
إن برلماناً جديداً يهيمن عليه أعضاء من الحزب الوطني الحاكم سابقا والإخوان المسلمون سوف يقود عملية صياغة الدستور الجديد، وسوف يضع المعايير للنظام الجديد. وقد يجري تبني بعض إجراءات التحرير المهمة، في سبيل تهدئة الاستياء الشعبي، لكن ديمقراطية شاملة تبدو بعيدة المنال.
لكن إذا استمر الإسلاميون والعلمانيون متحدين، فان الشارع سيبقى معبأ، وسوف يبقى الضغط الكبير مفروضاً على الجيش، وسوف يسود حينها السيناريو الثاني. وفي تلك الحالة فان المجموعات المختلفة التي قادت الثورة سيكون لديها الوقت الكافي لتنظم نفسها في أحزاب سياسية قابلة للنمو، وهذا فقط بإمكانه إيجاد تغيير ديمقراطي حقيقي.
