أجرت صحيفة «غارديان» البريطانية مقابلة مع الكاتب والمفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما بمناسبة صدور كتابه الجديد «أصول النظام السياسي»، حيث أعرب عن تفاؤله بالربيع العربي الذي وصفه بأنه قدم إشعار الرحيل للعديد من الأنظمة التسلطية، مشيرا إلى أن الأميركيين لا يحسنون بناء الأمم وأنهم تعثروا في الشرق الأوسط حيث المجتمعات القبلية التي لا يفهمون آليات الحياة فيها.
كما أعرب عن تشاؤمه تجاه الأوضاع في الاتحاد الأوروبي المنذرة بحدوث انتكاسة سياسية للديمقراطية الليبرالية، معتبرا أن روسيا حالة ميؤوس منها تحت حكم بوتين، وقال إن الصين تشكل التحدي الوحيد القابل لتطبيق النموذج الديمقراطي، لكن مشكلته أنه غير قابل للتقليد، وتوقع أن يستنفد خلال عشرين سنة، لتبرهن مجددا الديمقراطية الليبرالية أنها هي نقطة النهاية للتطور السياسي. وفيما يلي نص الحوار:
ثلاثة أسس
يقول فوكوياما إن الحصول على نظام سياسي عصري ومؤسسات دولة يعتمد على ثلاثة أمور يتعين أن تعمل في انسجام، دولة تقوم بمهامها وحكم القانون ومساءلة الحكومة. ومشكلة الصين أنها دولة قوية الجبروت، في حين استطاعت انجلترا، عبر سلسلة من الحوادث المواتية، أن تحصل على هذه الأمور الثلاثة بحلول القرن السابع عشر، وقامت بتصديرها إلى الولايات المتحدة من خلال المستوطنين الواعين لحرياتهم، الذين قدموا نموذجا لباقي العالم. ان هذه الشروط المسبقة الثلاثة للديمقراطية الليبرالية هي بمثابة الكأس المقدسة. ويقول فوكوياما في كتابه: «حقيقة إنه توجد بلدان قادرة على الوصول إلى هذا التوازن إنما يشكل معجزة في الأنظمة السياسية الحديثة، لأن إمكانية جمعها معا ليست واضحا».
إن الأوضاع التي تحيط بالاتحاد الأوروبي المثقل بالديون والمنقسم على نفسه تجعلني أتساءل ما إذا كان الحصول «على ما تملكه الدنمارك» يشكل رحلة مرغوبا فيها هذه الأيام. فأسأل فوكوياما رأيه بالانهيار الذي ينتاب أوروبا، ويرد على تساؤلي بقوله: «جماعيا يبدو لي أن الاتحاد الأوروبي في ورطة كبيرة، فهو قد سمح أساساً بانضمام مجموعة كبيرة من البلدان وهذا أمر لم يكن يفترض القيام به.
فليست هناك من دينامية لوضع شروط على هذه البلدان عندما تصبح داخل الاتحاد الأوروبي، ولا توجد استراتيجية للخروج». ولذا فهو لا يفهم لماذا تخضع كل من اليونان وايرلندا والبرتغال لقيود اليورو، ويقول: «ان السياسات التي تفرضها برلين تتصف بالجنون. وليس هناك من مجال أمام تلك البلدان لتحقق نموا في ظل عملة قوية وسياسة تقشفية تمتد لسنوات في المستقبل. سوف تجبر أخيرا على النظر في الانسحاب من الاتحاد الأوروبي».
ان النقطة التي أحاول التوصل إليها تتصف بالتشاؤم: هناك إمكانية لانهيار الاتحاد الأوروبي، كذلك قد ينتج جراء عقد من التقشف المتوقع سياسات وطنية تنافسية جدا ومضرة، أما أوروبا التي توصف بالمنارة فقد تتحول إلى أوروبا القلعة الحصينة، وكما في ثلاثينات القرن الماضي، يمكن ان تتعرض الديمقراطية الليبرالية للهجوم حتى في معقل دارها.
ويتقبل فوكوياما جزئيا على الأقل هذه الحجج، فيقول: «إن أحد الأشياء الموجودة في هذا الكتاب، وليست موجودة في الكتاب الأصلي، هي إمكانية التحلل السياسي. ولا أظن أنه يوجد سبب محدد لماذا الديمقراطية الليبرالية لا يمكن ان يصيبها الانحلال، حيث يمكن للمؤسسات والأفكار أن تصبح فائقة الجمود. وأعتقد أن العديد من الديمقراطيات المتطورة الآن سيتعين عليها إعادة مناقشة عقدها الاجتماعي الأساسي، لأن الكثير من إجراءات دولة الرفاه لم تعد قابلة للاستمرار، وهو الأمر الذي لا تجيده الأنظمة الديمقراطية. فلا تحسن هذه الأنظمة إقناع الناس بدفع ضرائب أعلى والقبول باقتطاع منافع على حساب أمر سيحدث بعد جيل من اليوم».
أهي القيامة الآن إذن؟ يؤكد فوكوياما أن الأمور يمكن ان تتدهور بشكل سريع، ويقول: «نشهد نموا في الأحزاب الشعبوية على امتداد أوروبا، وهناك الكثير من التصحيح للسياسات الخاصة بالهجرة وكل ما له علاقة بالمشكلات التي تصاحبها. وفي حين لا يسمح للناس التحدث في الأمر نشهد الآن هذا الانفجار إلى اليمين، حيث الناس يتحدثون عن هذا الموضوع ليس هذا فحسب بل أنهم يقولون أمورا بغيضة أيضا».
ويستغرب فوكوياما كيف أن الانهيار الذي حدث عام 2008 والسخط السياسي الذي نتج عنه، أشعل شعبوية يمينية، لكن ليس شعبوية يسارية، في كل من الاتحاد الأوروبي وأميركا على حد سواء. يقول: «اليسار ليس قويا في أي مكان، وليس لدينا قادة ملهمون يتمتعون بشخصية كاريزمية في أي مكان. أنظر إلى ايطاليا، لماذا برلسكوني ما زال رئيسا للوزراء؟ السبب هو أن اليسار في ايطاليا لا يستطيع الخروج بأجندة ملهمة يمكن ان يؤمن بها الناس».
ماذا عن ليبيا؟
يتحدث الكاتب والمفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما عن ليبيا وما إذا كان التدخل هناك يعتبر خطأ كبيرا فيقول :«أيدت منطقة حظر الطيران، فالوضع كان سيصبح فظيعا لو أن القذافي دخل بنغازي. وبعد ذلك، بتنا الآن عالقين، وليست هناك طريقة جيدة للخروج، لكن مازلت اعتقد أن هذا أفضل من السماح للقذافي بأخذ بنغازي. والأكثر رجحانا أن ينهار قبل المعارضة وما علينا سوى أن نأمل ذلك». والسؤال الأكبر هو كيف نبني دولة ناجحة بعد رحيله، ويقوم الصندوق الوطني للديمقراطية ، وهو إحدى المنظمات التي يعمل فيها فوكوياما كمستشار ، بتوجيه مجموعات الثوار لخلق الظروف المناسبة للانتقال الناجح للسلطة.
تفاؤل مستمر
ويبدو انه يعتقد أن الاتجاه العام الطويل الأجل هو نحو الديمقراطية الليبرالية والحرية السياسية، لكن على المدى القصير يمكن ان يقضى علينا جميعا، لأن الأنظمة الديمقراطية تصارع في الحضيض. ويقول: «إن إدارة ديمقراطية واقتصاد رأسمالي ينتج عدم مساواة، هو أمر أكثر سهولة إذا كان هناك نمو طويل الأمد لأنه، حتى ولو لم يجر توزيع المنافع بشكل متساو، لكن الجميع أقله ينتفع على الطريق، ومن دون نمو نعود إلى عالم الاقتصادي الشهير مالثوس، الذي أشار إلى اندلاع المجاعات والاوبئة لإعادة الاختلال إلى المؤشرات الاقتصادية. وعندما يغتني احدهم على حساب الآخر يصبح من الأصعب بكثير الحفاظ على الديمقراطية».
بالتالي هل هو متفائل بحسب قراءاته التقليدية بعد كتاب «نهاية التاريخ»، ام أنه متشائم؟ يقول فوكوياما: «أنا أساسا متفائل لأنني لا أعتقد بوجود هذا المسار التحديثي التاريخي، وقد كان مفيدا للناس على العموم. لكن هناك التغيرات الطفيفة، فالتاريخ لا يسير في خط مستقيم» كما أنه لا يسير في اتجاه متواز جغرافيا، فالتشاؤم القائم في أوروبا يقابله أمل في إفريقيا الشمالية والشرق الأوسط. ويضيف: «لقد وضع الربيع العربي العديد من الحكومات التسلطية في مواجهة إشعار بالرحيل».
وتسمح وظيفة فوكوياما، كزميل في الدراسات الدولية في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا وكعضو في مجالس استشارية، أن يضع موضع التنفيذ الدرس الجوهري لكتابه الجديد، ومفاده أن تأسيس أنظمة ديمقراطية قابلة للتطبيق هو عمل شاق، ويعتمد على الجذور القاعدية التي يجري حرثها. يقول: «كنت أدير برنامجا دوليا للتنمية وأقوم بأعمال كثيرة مع البنك الدولي وغيره من الوكالات التي تحاول تحسين الحوكمة والتعامل مع الفساد في الدول الضعيفة».
ويضيف: «إن مشكلة ما أطلق عليه مشكلة الدنمارك هي مشكلة كبيرة، ولدى الناس توقعات غير حقيقية لأشكال التحسن التي يمكن إحرازها وسرعتها، ويتعين وضع أهداف أكثر تواضعا».
الواقعة الجديدة
إن هذه الواقعية الجديدة تغذي الرحلة السياسية التي يمضي فيها فوكوياما. في الثمانينات كان داعما قويا للريغانية وعمل في وزارة الخارجية في ظل رئاستي ريغان وجورج بوش الأب. وقد دعم جورج بوش الابن عام 2000 وكان مؤيدا للتدخل بعد الحادي عشر من سبتمبر. لكنه منذ ذلك الحين تخلى عن بوش ومحاولة فرض الديمقراطية على البلدان مثل العراق وأفغانستان. ويقول إنه صوت لصالح أوباما في 2008. وبعد انتقاله من واشنطن إلى الساحل الغربي السنة الماضية، فإنه لا ينوي تسجيل نفسه كداعم للجمهوريين (حيث التسجيل يؤهلك للتصويت في الانتخابات التمهيدية) لكنه سيسجل نفسه كمستقل أو ربما كديمقراطي. وبالنسبة لمفكر محافظ بروابط قوية من الجمهوريين وسمعة في الثمانينات كأحد المحافظين الجدد، فقد تخطى الحواجز والمحاذير.
كانت نقطة التحول سوء تعاطي بوش الابن مع حرب العراق. يقول: «لم يشنوا الحرب في سبيل تصدير الديمقراطية، بل لأسباب أمنية، ثم استدركوا والصقوا مبررات الديمقراطية فيما بعد، وهذا ما لم اعتبره مساعدا لقضية الديمقراطية. وإذا ما فكرت في المشكلة سوف تدرك بأنه مسعى مكلف طويل الامد وكنت تكبدت كثيرا واستغرقت طويلا في التفكير قبل المضي فيه، لأنه إذا ما قمت به بشكل مغفل وتخليت عنه بعد بضعة سنوات تكون عرضة لجعل الأمور أكثر سوءا».
لقد أقام حجة قوية ضد حلفائه القدامى من المحافظين الجدد في كتابه الصادر عام 2006 تحت عنوان «أميركا عند المفترق». ولا يزال يريد «تصدير المثل الأميركي، لكنه يقول: «يتعين إجراؤها من خلال أدوات القوة الناعمة». ويضيف: «بشكل عام الأميركيون لا يحسنون بناء الأمم، وليسوا مستعمرين ناجحين جدا، انظروا إلى تأثير الولايات المتحدة على أميركا اللاتينية أو على المستعمرة الوحيدة التي لدينا، الفلبين. لا تزال تلك البلدان لا تعمل جيدا، لقد تعثرنا في أفغانستان والعراق، وهما أساسا مجتمعان قبليان، ومعظم الأميركيين ليس لديهم فكرة عن كيفية عمل المجتمع القبلي».
إن أخطاء سنوات رئاسة بوش باعتقاده هي نتاج مباشر لنجاحات ريغان، وذلك في رؤية الاتحاد السوفييتي في الثمانينات كمقامرة عالية المخاطر كان يمكن لها ان ترتد وتأتي بنتائج عكسية، لكنها نجحت فقط بسبب الدور التحريري الذي لعبه ميخائيل غورباتشوف. يقول: «تحصل هذه المعجزة السياسية الجزئية، ويتخذ هذا الموقف المبدئي ضد الدكتاتورية من دون استعداد للمساومة ثم تنهار الدكتاتورية.
هذه كانت التجربة الأخيرة للحكم بالنسبة للجمهوريين ثم كانت هناك سنوات كلينتون وما كانوا يأملونه هو تكرار هذا الأمر في العراق، حيث يجري اتخاذ موقف مبدئي ضد الدكتاتور ويتم خلعه ومن ثم تحصل موجات متقلبة من الدعم على شبيه نموذج أوروبا الشرقية. لكن كان يتعين عليهم أن يدركوا أن أوضاع أوروبا الشرقية كانت حالة غير اعتيادية. كانت الجذور موجودة اصلاً، فهي أساساً دول غربية تم أزيحت عن مسارها من قبل الاتحاد السوفييتي، وكان طبيعيا اعتناقها القيم الغربية والديمقراطية، في حين العراق بسبب الأوضاع الفلسطينية الإسرائيلية والتاريخ الكامل للاستعمار، لم يكن أبدا ليحتضن الغرب».
