تبدأ الآن عقب ما يقارب 10 سنوات دموية نهاية اللعبة في أفغانستان، فقد جر أسامة بن لادن أميركا إلى أفغانستان، وسوف يرى الكثيرون أن مصرعه يشكل السبب الاستراتيجي للرحيل. وحتى قبل حصول هذا التغيير في اللعبة، كانت الأحاديث في واشنطن وفي العواصم الأخرى تركز على سحب القوات العسكرية وعلى التسويات السياسية وعلى المفاوضات مع طالبان.
بالنسبة للكثيرين في المنطقة، شكل مصرع ابن لادن نذيرا بتطورات أكثر شؤماً في المستقبل، مثل توقع أن يؤدي انسحاب القوات الغربية إلى إحداث فراغ، وأن تزداد التنافسات الإقليمية القائمة منذ زمن حدة، وبالتالي أن تتفاقم حالة عدم الاستقرار داخل أفغانستان نفسها، وسيناريو «العودة إلى المستقبل» هذا بالنسبة لأفغانستان هو أكثر ما يتخوف منه.
دعم مسار المصالحة
واليوم فإن الجهود التي كرست في سبيل تحقيق تسوية سلمية دفعت أساسا نحو بناء الدعم لما يسمى مسار المصالحة، حيث جرى مد اليد إلى طالبان وغيرهم من الأفغان الساخطين للوصول إلى تسوية سياسية مع الحكومة الحالية. ويبقى السؤال مطروحاً حالياً، حول ما إذا كان مصرع ابن لادن سيزيد من إمكان تحقيق هذه المصالحة، حيث يصبح بعض قادة التمرد الكبار أكثر استعداداً لعقد صفقة في غمار سعيهم للمحافظة على أنفسهم، فيما قد يستنتج البعض الآخر أنه برحيل ابن لادن فإن الولايات المتحدة وقوات «ناتو» قد أصبحوا قاب قوسين من الرحيل أيضاً.
لكن أي تسوية سياسية داخلية، حتى لو كانت ناجحة، لن تكون كافية لضمان استقرار أفغانستان في المدى الطويل، وما هو مطلوب هو تسوية سياسية خارجية جديدة، تدخل في مسارها دول الجوار والجيران المقربين.
كانت متاعب أفغانستان تاريخياً في معظمها قد سببها التغلغل والتدخل الخارجي بما في ذلك قيام أحزاب أفغانية بدعوة أطراف خارجية إلى التدخل في سبيل المشاركة في نزاعاتها المهلكة.
إن أهمية تقليص التغلغل، إذا لم يكن الإزالة الكلية له، من قبل أطراف خارجية اعترف بها الأفغان وغيرهم من المشاركين من دول مختلفة في مؤتمر بون في ديسمبر 2001، بعد فترة وجيزة من طرد طالبان. وعليه كان الإعلان الذي جرى تبنيه من قبل المؤتمر قد تضمن طلبا بأن «تتخذ الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الإجراءات الضرورية لضمان السيادة الوطنية، ووحدة أفغانستان وسلامة أراضيها، بالإضافة إلى عدم تغلغل البلدان الأجنبية في الشؤون الداخلية لأفغانستان».
وعلى مدى العقد الماضي، كانت هناك دعوات عدة «للتعاون الإقليمي» في اللقاءات الدولية، بما في ذلك في قمة «قلب آسيا» في اسطنبول وفي مؤتمري لندن وكابول في 2010، لكن كان هناك القليل من الإجراءات المتخذة، مما جعل هذه الدعوات عبارة عن مجرد طموح أكثر مما هي واقع.
ميثاق إقليمي
وبما أن الأمين العام للأمم المتحدة لديه بالفعل التفويض في إطار إعلان «بون»، فإنه بموجب هذا التفويض يتعين عليه تعيين شخص يتمتع بمكانة رفيعة وخبرة سياسية على مستوى عال، يقوم على وجه الحصر بالتركيز على إيجاد تسوية سياسية خارجية لأفغانستان، تقود إلى ميثاق إقليمي بعدم التغلغل وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، وكان إجراء شبيه قد جرى بتعيين مبعوث خاص من الأمم المتحدة لاتفاق جنيف عام 1988، وهو شكل الخطوة التي أدت إلى انسحاب السوفييت من أفغانستان.
إن التفاوض على اتفاق سياسي خارجي من هذا النوع سوف يأخذ وقتا لا يستهان به وجهودا على مستويات عالية، وهذا أمر واضح. وفي تلك الأثناء، إذا ما أرادت الولايات المتحدة أن تكون سباقة، فإنها قد ترغب في الأخذ بعين الاعتبار باقتراح تقدم به أخيرا وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر حيث قال: «لماذا لا نعمل سويا على عقد مؤتمر يضم الصين والهند وباكستان وروسيا وإيران، حيث إن إيران قدمت المساعدة لنا في بداية دخولنا إلى أفغانستان، والولايات المتحدة، ونقول: إن لكل منكم قدراً من المصلحة في أفغانستان مستقرة، تماما مثلنا، ويمكن أن نتلقى المساعدة».
