يحتمل أن تتمثل أهم نتيجة لمصرع أسامة بن لادن في نهج أميركي جديد في التعامل مع أفغانستان، فالرئيس الأميركي باراك أوباما الآن من الناحية الجوهرية في وضع يتيح له «إعلان النصر والخروج»، من دون أن يخاطر كثيرا فيما يتعلق بالرأي الأميركي العام والعسكري. ومن سوء الطالع أن كل ما أعرفه عن مناطق البشتون في أفغانستان وباكستان على نحو ما وصفته في كتابي الصادر أخيراً «باكستان بلد صعب».

 

نتائج كارثية

يوحي لي بأن الإستراتيجية التي تميل إليها إدارة أوباما يمكن أن تترتب عليها نتائج كارثية بالنسبة لأفغانستان وباكستان والولايات المتحدة.

يرجع هذا في المقام الأول لأن النهج الأميركي الجديد المقترح مبني على احتياجات الحياة السياسية الأميركية الداخلية، وعلى نهج فج في قتل الإرهابيين، مع إبداء اهتمام محدود بالحقائق الواقعية في أفغانستان، والأسباب التي تجعل كثيرا من البشتون في كل من أفغانستان وباكستان يؤيدون طالبان.

يحتمل أن تكون إستراتيجية أوباما على النحو التالي: ستقوم الولايات المتحدة ببناء جيش أفغاني وطني إلى الحد الذي يستطيع معه التشبث بالمدن الرئيسة في مناطق البشتون من دون مساعدة برية أميركية، وسيتم سحب معظم القوات الأميركية، ولكن الولايات المتحدة ستحتفظ بقواعد في أفغانستان تنطلق منها طائراتها لسحق أي تجمعات لطالبان تستهدف السيطرة على المدن الأفغانية، وستواصل الطائرات والقوات الخاصة الأميركية استهداف أي جماعات تابعة للقاعدة يتم تحديدها في البلاد.

هذه هي بصفة أساسية الإستراتيجية السوفييتية التي تم اتباعها في الفترة بين الانسحاب السوفييتي من أفغانستان في 1989 وانهيار الاتحاد السوفييتي في 1991، وإن كان الفارق المهم على نحو جوهري هو أن الاتحاد السوفييتي لم يحتفظ بقواعد في أفغانستان، ولم يكن بحاجة إلى ذلك، حيث إنها متاحة لديه على الجانب الآخر من الحدود في جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية.

هنا ينبغي أن يقال إن الإستراتيجية السوفييتية قد نجحت إلى حد معين، فنظام نجيب الله خان الأفغاني، الذي تركه السوفييت خلفهم، قد صمد إلى ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي نفسه.

بالنسبة لواشنطن فإن هذه الإستراتيجية يبدو أنها تلبي العديد من الأهداف، فهي ستقلل بصورة كبيرة أعداد الأميركيين والخسائر الأميركية في أفغانستان، كما أنها ستتناغم مع نهج أوباما المعلن القائم على إعادة توجيه الإستراتيجية الأميركية نحو العمليات المستهدفة الموجهة ضد الإرهابيين، وستحول دون انتصار طالبان، وستمنع مشاهد هزيمة أميركية كتلك التي شاهدها العالم في سايغون عام 1975، وفي الوقت نفسه، ستحول دون الإذلال الكامل في الاضطرار للتفاوض مع قيادة طالبان التي أمضت الولايات المتحدة سنوات في إدانتها، كما أنها ستبقي على القواعد الأميركية في أفغانستان، التي ترى قطاعات من المؤسسة الأمنية الأميركية أنها مفيدة في الخطاب مع إيران، وفي الإغارة على باكستان، وفي الإبقاء على النفوذ الأميركي في المنطقة.

 

وجه الخطأ

ما هو وجه الخطأ في هذه الإستراتيجية؟

أولا، إنها تعني أن طالبان ستواصل شن حربها، فقيادتها قد أعلنت أنها ستواصل القتال طالما وجدت القوات الأميركية في أفغانستان، وفي غياب أي تسوية سلمية تمنح طالبان نصيباً من السلطة، فإنها ستواصل القتال كذلك ضد نظام كابول.

ثانيا، هل سيكون بمقدور الجيش الأفغاني التشبث بالمدن؟ لقد فعل النظام الأفغاني الذي يحظى بتأييد السوفييت ذلك في 1989، ولكنه كان نظاما أكثر تماسكا بكثير من النظام الذي أنشأته الولايات المتحدة في كابول. والدولة الأفغانية المدنية الحالية ضعيفة للغاية، وعلى الرغم من أن جيشها كبير ومسلح تسليحا ثقيلا، إلا أنه يعاني من تدهور المعنويات، كما أنه مقسم بعمق بين البشتون والطاجيك.

وهناك سيناريو فظيع محتمل بالنسبة لمستقبل أفغانستان قوامه ما يلي: ينحل النظام المدني الأفغاني بعد تنحي الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، الأمر الذي يؤدي إلى انقلاب يقوم به القادة الطاجيك في الجيش، ويعقبه انقلاب مضاد تقوم به القوات البشتونية ، وتندلع حرب أهلية في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، وتواجه الولايات المتحدة بخيار صعب، فإما أن تنسحب من أفغانستان وتسمح لطالبان بالانتصار في مناطق البشتون، وإما أن ترسل القوات الأميركية للسيطرة على تلك المناطق مجددا.

في مواجهة هذا السيناريو فإن الخيار الأفضل بالنسبة لواشنطن سيكون محاولة التوصل إلى تسوية سلمية مع طالبان تبدأ بإنشاء مكتب لطالبان يحظى بحصانة دبلوماسية في دولة إسلامية أخرى، واتخاذ إجراءات لبناء السلام مثل عقد الهدنات المحلية.

هل ستصمد مثل هذه التسوية؟ لا بد لطالبان أفغانستان وحلفائهم في المؤسسة العسكرية الباكستانية أن يدركوا أنه أيا كان ما يحدث فإنه لن يكون بمقدورهم السيرة على المناطق غير البشتونية من أفغانستان في مواجهة المساعدات الأميركية والروسية والهندية لأعدائهم المحليين.

ومن ناحية أخرى، فإن كل ما أعرفه عن أفغانستان وكل ما نراه في الأخبار عن نظام كابول وقواته المسلحة يوضح لنا أن ما هو مؤكد أن الإستراتيجية الأميركية التي أشرنا إليها لن تكلل بالنجاح، أما ما إذا كانت طالبان ستوافق على مثل هذه الصفقة، فإننا لن نعرف الرد إلا بعد أن نعرضها عليها.