توج الرئيس الأميركي باراك أوبما أسبوعا، كرسه إلى حد كبير للسياسة الأميركية حيال الشرق الأوسط، بإلقاء كلمته أمام اللوبي الإسرائيلي «أيباك» معيدا تأكيد التزام واشنطن بالدفاع عن إسرائيل.

وقد جاء ظهور أوباما أمام «أيباك» بعد ثلاثة أيام فحسب من إلقائه ما عرف بخطاب الربيع العربي، وبعد يومين من اجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو .

إذا أخذنا هذه الفعاليات الثلاث معا فإننا نجد أنها تؤكد أن واشنطن في مواجهة الانتفاضات الشعبية التي أسقطت نظامي تونس ومصر، ودفعت بالجماهير إلى الشوارع في العديد من أرجاء العالم العربي تظل ملتزمة بسياسة الثورة المضادة في المنطقة ،التي تضرب جذورها في تحالفها الإستراتيجي مع إسرائيل. وقد تمحورت التغطية الإعلامية لخطاب أوباما، ورد نتانياهو الحافل بالازدراء عليه، حول عبارة واحدة قالها الرئيس الأميركي وهي : «إننا نؤمن بـأن الحدود الإسرائيلية والفلسطينية ينبغي أن تقوم على أساس خطوط 1967 مع تبادلات للأراضي متفق عليها».

وفيما يتعلق بموضوع تعليقه، الذي وصف بأنه مسيء لإسرائيل حول خطوط 1967، أكد أوباما أنه «ليس هناك شيء أصيل بشكل خاص فيما يتعلق بهذا الاقتراح».

وأكد أوباما أنه لم يقترح العودة إلى هذه الخطوط وإنما التفاوض الذي يقوم على أساس عمليات تبادل متفق عليها للأراضي من شأنها أن تؤدي إلى حدود مختلفة عن الحدود القائمة حاليا. وقال إن أي تسوية نهائية سيتعين أن تأخذ بعين الاعتبار «الحقائق الواقعية الديموغرافية على الأرض».

هذا الاصطلاح المقيت «الحقائق الواقعية الديموغرافية» يشير إلى قيام إسرائيل بسرقة الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات الصهيونية في الأراضي المحتلة، وهو ما أدى إلى التهام 40% من الضفة الغربية. وقد تركت الأراضي الباقية مقسمة بفعل إدارة التفرقة العنصرية التي شهدتها إسرائيل، والمستوطنات والطرق الالتفافية، الأمر الذي يضع موضع السخرية حديث أوباما عن عمليات تبادل أراض متفق عليها وإمكانية أن تؤدي إلى دولة فلسطينية ذات سيادة قابلة للحياة.

لقد غابت عن خطابات أوباما الأخيرة أي إشارة إلى أن إسرائيل ينبغي أن توقف نشاطها الاستيطاني غير المشروع، فقد أعدت سياسة واشنطن لتسهيل الإستراتيجية الإسرائيلية التي وصفتها في 2007 تسيبي ليفني وزيرة خارجية إسرائيل في ذلك الحين بقولها: «إن سياسة إسرائيل هي أن تأخذ المزيد والمزيد من الأرض يوما بعد آخر، وفي النهاية سنقول إن هذا مستحيل، فنحن لدينا الأرض بالفعل ولا يمكننا إنشاء دولة فلسطينية».

إن ما يسمى بعملية السلام التي روج لها أوباما مجددا، فليست إلا مسرحية دبلوماسية عمرها عقدان من الزمن، استهدفت تبرير جرائم إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وتسهيل آليات السياسة الخارجية الأميركية على امتداد الشرق الأوسط.

إن عجز أوباما عن اقتراح أي شيء «أصيل بصفة خاصة» على شعوب فلسطين والعالم العربي وإسرائيل ذاتها، هو تجسيد للتردي التاريخي للرأسمالية الأميركية القادرة فحسب على الإعداد لحروب وكوارث جديدة.

أما فيما يتعلق بإسرائيل فإن رد فعل نتانياهو الحاد على خطاب أوباما يستمد دافعه إلى حد كبير من محاولة تحريك الشرائح الأكثر يمينية من سكان إسرائيل، فهناك في إسرائيل خوف دائم من عدم الاستقرار ومن التأزم السياسي، حيث يزيد الظلم عن أي بلد آخر في الشرق الوسط الذي اجتاحته الانتفاضات هذا العام.

إن النضالات التاريخية التي اكتسحت المنطقة طوال الأشهر الستة الأخيرة تغذيها الأزمة التي لا حل لها، والتي يعاني منها النظام الرأسمالي العالمي، والتي من المحتم أنها ستفرز المزيد من الانتفاضات في مناطق أخرى من الشرق الاوسط، بما في ذلك الأراضي المحتلة، بل وإسرائيل ذاتها.