لم يسبق لرئيس أميركي أن تلقى توبيخاً وتقريعاً كاللذين تلقاهما الرئيس الأميركي باراك أوباما أخيرا، من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، وذلك منذ قام الزعيم السوفييتي نيكيتا خروشوف بتوبيخ الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور بسبب تحليق الطيار الأميركي جاري باورز بطائرة التجسس «يو-2» فوق روسيا.
وهناك فارق بين الحالتين هو أن خروشوف وجه توبيخه لأيزنهاور وراء أبواب مغلقة، وعندما رفض أيزنهاور الاعتذار نسف خروشوف قمة باريس التي استضافها الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول.
غير أن أوباما تعرض لمحاضرة كما لو كان تلميذا صغيرا في المكتب البيضاوي أمام الصحافة الأميركية وجمهور التلفزيون على امتداد العالم.
وعقب ذلك مضى أوباما إلى اللوبي الإسرائيلي «أيباك» ليسحب ما كان قد قاله، والذي أثار غضب نتانياهو إلى هذا الحدث، وعندئذ غمغم نتانياهو مشيرا إلى أنه «مرتاح» لهذا الإيضاح.
وفي الوقت الراهن يجري صب الزيت الدبلوماسي على المياه المضطربة ولكن هذا الإذلال الذي تعرض له الرئيس الأميركي سيظل مستعصيا على النسيان.
ما الذي فعله أوباما ليستحق كل هذا التوبيخ العلني من نتانياهو ؟ لقد أعلن في خطابه الأخير حول الربيع العربي والسلام في الشرق الأوسط: «إننا نؤمن بأن حدود إسرائيل ينبغي أن تقوم على أساس خطوط 1967 مع تبادلات متفق عليها بين الجانبين، بحيث يمكن تكريس حدود آمنة ومعترف بها للدولتين كلتيهما، ولا بد لإسرائيل من أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها بنفسها ضد أي تهديد».
تجاهل نتانياهو دعوة أوباما إلى تبادل للأراضي متفق عليه بين الجانبين لضمان حدود آمنة ويمكن الدفاع عنها لإسرائيل، وحذر الرئيس الأميركي من سلام «يقوم على الأوهام» وتصرف كما لو كان الرئيس أوباما قد دعا إلى انسحاب إسرائيل إلى خطوط الهدنة لعام 1967.
كان هذا أمرا عبثيا فكل ما كان الرئيس أوباما يقوله كان هو ما اعترف به 3 وزراء لإسرائيل هم إسحق رابين وايهود باراك وايهود أولمرت.
سيتعين على إسرائيل أن تقايض الأرض مقابل الأرض من أجل أن تحصل على الاعتراف الفلسطيني والدولي بالقدس الموحدة وبضم إسرائيل للمستوطنات المحيطة بالمدينة المقدسة.
لم يكن أوباما يقول إن حدود 1967 ستكون نهاية للمفاوضات وإنما نقطة الانطلاق فيها، حقا من أين يبدأ المرء المفاوضات على الأرض إن لم يكن من آخر خريطة معترف بها؟
ولا مجال للإنكار أن نتانياهو قد ظفر بهذا التوبيخ الذي وجهه إلى أوباما، فالرئيس الأميركي تعرض للإذلال في البيت البيضاوي. وفي انطلاقه إلى «أيباك» تحدث عن انتهاء مفاوضات السلام المستقبلية تماما على نحو ما تطلب إسرائيل وترغب.
وليست هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها أوباما لمثل هذه المعاملة من رئيس الوزراء الإسرائيلي، فقد جاء إلى منصبه مطالبا بوضع نهاية لكل المستوطنات الجديدة الموسعة في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وفي وقت لاحق تراجع عن كل مطلب تقدم به.
وقد ضاق مبعوثه إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل بهذا كله فقدم استقالته من مهمته. وعلى الصعيد السياسي فقد تعرض اوباما كذلك للضرر، حيث بدا ضعيفا بالنسبة للعالم وليس بالنسبة للعرب وحدهم..
وفي إسرائيل يـُنظر إلى نتانياهو باعتباره قد وقف صامدا مدافعا عن مصالح إسرائيل الحيوية وأجبر الرئيس الأميركي على التراجع. وفي الوقت الراهن فإن ائتلافه اليميني يصفق ويهلل له.
إن القضية ليست حقا ما إذا كان الرئيس أوباما قد تعرض للضرر، ولكن جوهرها هو لماذا فعل نتانياهو، الذي نشأ في الولايات المتحدة ويعرف الحياة السياسية الأميركية أكثر من أي رئيس وزراء إسرائيلي سابق- فعل ذلك؟ لماذا يجرح أوباما على هذا النحو؟
وبالفعل انتهز الجمهوريون واليمين وفي مقدمتهم ميت رومني، الذي اتهم أوبما بأنه «يلقي إسرائيل تحت الحافلة» انتهزوا الفرصة ووقفوا بشكل كلي تقريبا إلى جانب نتانياهو.
هذه يمكن أن تكون مشكلة خطيرة بالنسبة للرئيس الأميركي وحزبه في 2012، ذلك أنه يتعين تذكر أنه في عام 2008 فاز أوباما بأصوات الأميركيين الأفارقة بنسبة 95 إلى 4، وفاز بأصوات اليهود بنسبة 78 إلى 21. وهو ما يعد فوزا تاريخيا كاسحا. وهاتان الكتلتان تعدان بالنسبة للديمقراطيين أكثر الكتل من حيث إمكانية الاعتماد عليها في الانتخابات.
وبينما لا تشكل الأصوات اليهودية إلا حوالي سبع أصوات الأميركيين الأفارقة، فإنها قد برهنت على طابعها الحاسم في ولاية فلوريدا، ذات الأهمية الاستثنائية. وعلاوة على ذلك فإن التبرعات اليهودية للحملات الانتخابية وفقا لبعض التقديرات تشكل نصف جميع التبرعات للحزب الديمقراطي.
وإذا قرر الناخبون اليهود بعد سماعهم رئيس وزراء إسرائيلي يوبخ أوباما لجهله أو لامبالاته بالحقائق الواقعية الصارمة التي تواجهها إسرائيل أن أوباما يعتبر سيئا بالنسبة لإسرائيل وأغلقوا دفاتر شيكاتهم فإن تأثير ذلك في انتخابات تقوم على التنافس الحاد قد يكون خطيرا.
ومن ناحية أخرى فإن رؤية الأميركيين الأفارقة لأول رئيس أميركي أسود وهو يعامل من قبل رئيس وزراء إسرائيل كما لو كان تلميذا صغيرا في مدرسة، بينما تعتمد إسرائيل بشدة على أميركا يبدو أمرا مثيرا للانزعاج.
لقد كسب نتانياهو المواجهة في المدى القصير وعلى نحو لم يحدث لأي زعيم من قبله قام بإذلال رئيس أميركي أمام العالم بأسره، وأجبره على تعديل تصريحاته التي كان قد أدلى بها قبل ذلك بأربعة أيام، ثم تفضل بقبول هذا التعديل، ولكن إذا فاز الرئيس أوباما بفترة رئاسة ثانية فإنه من غير المحتمل أن ينسى ما فعله نتانياهو به.
