في عام 1918 برهنت الولايات المتحدة على إمكانيات حسم عسكري عبر هزيمة قيصر ألمانيا، وبرزت باعتبارها القوة الأولى على وجه الأرض. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945، ظهرت أمتان منتصرتان حقاً، وهما الاتحاد السوفييتي وأميركا. ثم من خضم الحرب الباردة التي دامت من أيام هاري ترومان إلى تفكك الاتحاد السوفييتي في نهاية فترة رئاسة رونالد ريغان، عاد وبرز منتصر وحيد، ألا وهو الولايات المتحدة، القوة العظمى الأخيرة.
ويطرح السؤال: من هو المنتصر في فترة ما بعد الحرب الباردة، 1991 إلى 2011؟ إنها الصين بدون شك، التي أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم ومنافس أميركا الوحيد على لقب أول قوة صناعية.
وعلى المستوى الاستراتيجي أيضاً، تبدو الولايات المتحدة في تراجع، وبالتحديد في تلك المنطقة التي شكلت مركز «الثورة الديمقراطية العالمية» للرئيس الأميركي السابق جورج بوش. وليس هناك من دولة تعكس الخسارة النسبية للقوة والنفوذ الأميركيين أكثر من إسرائيل، التي هي اليوم في عزلة غير مسبوقة.
منذ عقد من الزمن، كانت تركيا حليف «ناتو» على مدى 50 عاما، صديقا لإسرائيل وشريكا لها. اليوم، ينظر الفلسطينيون في غزة إلى الأتراك باعتبارهم ضمن الأصدقاء الأقوى في الشرق الأوسط.
وكان الرئيس المصري السابق حسني مبارك قد تقيد بدقة بشروط معاهدة السلام مع إسرائيل، التي أبرمها سلفه وحافظ من طرفه على الحصار الإسرائيلي على غزة.
ومنذ سقوطه، ساعد النظام المصري المؤقت في إرساء حكومة وحدة بين فتح وحماس، وتحرك لتأسيس علاقات دبلوماسية مع طهران للمرة الأولى منذ سقوط الشاه، وبدأ برفع الحصار عن غزة. ويبدو أمراً شبه مضمون أن الانتخابات المصرية في سبتمبر المقبل ستؤدي إلى برلمان يضم تكتلاً كبيراً وربما مسيطراً عليه من جماعة الإخوان المسلمين.
وفي الوقت الذي تبدو جماعة الإخوان المسلمين التنظيم الأقوى في مصر، إلا انها امتنعت عن السعي نحو الرئاسة أو إيجاد قوة مطلقة في المجلس التشريعي. ويبدو وكأنها تمارس لعبة الانتظار.
أزمات إسرائيلية
يبدو الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي كان يتطلع إلى الرئيس اوباما لوقف المستوطنات الإسرائيلية الجديدة في الضفة الغربية وشرق القدس وليترأس محادثات السلام، كمن تخلى عن الأميركيين. وعلى الرغم من استفادته من المساعدات الأميركية، إلا انه دخل في تحالف مع عدوه القديم حماس، ويخطط الاثنان، إذا ما بقيا سويا، للسعي نحو الاعتراف بفلسطين مستقلة من خلال التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل.
وليست هذه الأزمة الوحيدة التي تواجه إسرائيل، فعلى حدودها الشمالية هناك حزب الله الذي أصبح القوة المهيمنة في لبنان. وفي الجنوب هناك غزة التي تهيمن عليها حركة حماس، التي لم تعترف يوما بوجود إسرائيل. وكانت إسرائيل قد خاضت حروبا معهما. وفي الشرق، هناك الضفة الغربية حيث السلطة الفلسطينية تبدو وقد تخلت عن محادثات السلام بإشراف الولايات المتحدة. وما حصل في الذكرى ال63 للنكبة الفلسطينية ربما كان النذير الأكثر شؤما بالنسبة لإسرائيل.
فقد اقترب محتجون فلسطينيون من الشريط العازل بين لبنان وإسرائيل وتسلقوا الشريط على مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل، مطالبين باستعادة الأراضي الفلسطينية، فقتل الجنود الإسرائيليون 20 شخصاً وجرحوا العشرات منهم. وعلى الرغم من دعم البيت الأبيض لإسرائيل، فإن ما قامت به هذه الأخيرة بحق هؤلاء المحتجين غير مقبول بالنسبة للأوروبيين. وبالأخذ بعين الاعتبار التنسيق الجاري في نشاط الفلسطينيين، قد نكون على شفير إما ثورة فيسبوك أو «انتفاضة ثالثة" للفلسطينيين في إسرائيل والأراضي المحتلة ولبنان وسوريا والأردن ومصر، حيث لا يزال يقيم مئات الألوف من أحفاد المنفيين الأصليين.
ويمكن لهذه الانتفاضة أن تحول أنظار الشعوب العربية عن فشل أنظمتها، وتعزل إسرائيل وحليفها الرئيسي أميركا، أكثر من أي وقت مضى في العالم العربي.
