تشكل أحداث الربيع العربي فرصة غير مسبوقة لمئات الألوف من الناس في شمال إفريقيا والشرق الأوسط لتحقيق المزيد من الحرية السياسية والاقتصادية وحقوق الإنسان وحياة أفضل. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، أيضا، فهذه لحظة نادرة في التاريخ، وربما هي مليئة بالوعود والمخاطر كما الفترات التي تلت الحرب العالمية الثانية وانهيار الاتحاد السوفييتي. وهذه فرصة لأميركا لكي يعاد النظر إليها باعتبارها الدولة التي لا نظير لها، أي البلاد الأكثر التصاقا بقضية مساعدة الناس العاديين في الحصول على حريتهم وتقرير مصيرهم، بمن في ذلك المسلمون.

وفي الوقت الذي تواجه أميركا كل هذه التطورات، فان إعادة الارتباط المتجدد بالتطلعات السياسية والشخصية للناس في العالم النامي يصبح بجلاء أكبر في مصلحتنا. ويرجح أن هذا الارتباط هو أكثر الطرق أخلاقية وأكثرها كفاءة من ناحية اقتصادية لأميركا في سبيل الدفع بتأثير ايجابي حول العالم في سياق اعتناقها لقيمها الأساسية. وإذا ما جرى هذا بشكل صحيح، فإن هذه المقاربة يمكنها أن تقلص من احتمال تشابك عسكري جديد، وتخفف من التزاماتنا المالية والبشرية الطويلة والقصيرة الأجل.

وليست هذه رؤية ولسونية مثالية في إطار العلاقات الدولية، بل هي على العكس إقرار بأن ثورة الاتصالات وحالة التمكين الأخيرة لدى المواطن المسلم تجيزان للولايات المتحدة إعادة تقييم الطريقة الفضلى التي يمكن بها أن تدفع بقيمنا ومصالحنا إلى المقدمة.

منذ حوالي عام 1945، كان الحفاظ على النظام هو الهدف الأكثر استنفاذا لأميركا في الشرق الأوسط وشمال افريقيا وفي كثير من أنحاء العالم النامي، وشكل هذا الجهد نجاحا إلى حد ما. فقد تم الحفاظ على الاستقرار بشكل واسع، ومع استثناءات هامة، كما تم الحفاظ على تدفق التجارة والسلع الحيوية، وخاصة النفط.

لكن تجاهل القمع في العشرات من البلدان، بما في ذلك في دول حيوية مثل مصر وسوريا وإيران ما قبل الثورة، كان ثمنه مرتفعا. وقد تلطخت مصداقية أميركا بالنسبة للكثيرين في المنطقة، وبالأخص الشباب.

قبل عصر الاتصالات الفورية، كانت هذه الاستراتيجية التي تضع في أولويتها الحفاظ على النظام قابلة للحياة، لكنها لم تعد كذلك الآن. إن وجود مواقع الكترونية مثل «فيسبوك» و«تويتر» يعني أن الإدراك الحسي لما يقدمه الدعم الأميركي للدكتاتوريين يصبح فورا قضية مركزية في السياسة الداخلية للبلدان الشرق الأوسطية الحيوية، مما يقضي على موقعنا الأخلاقي والسياسي بين السكان، الذين يشاهدون كل تغيير وغالبا في توقيته الفعلي عبر العالم.

إن خياراتنا فيما يتعلق بارتباطاتنا في مختلف البلدان سوف تبقى، بالطبع، دوما مسالة معقدة، كذلك تبقى التحديات الأمنية المتأتية من الإرهاب والانتشار النووي والدول غير المستقرة عويصة. وحيث لدينا ضرورات أمنية حيوية يهددها فقدان النظام او الثورة، فقد يكون لدينا خيار محدود في المدى القصير إلا في دعم الأنظمة القائمة. ولا يمكننا أن نتورط في كل مكان. وهذا يصح بشكل خاص في المواقع حيث إسقاط من هم في السلطة الآن يمكنه أن يؤدي بسهولة إلى المزيد من القمع للسكان المحليين وإلى انتكاسة استراتيجية. وبالمثل، فإن علينا أن نضع في الاعتبار الاختلاف الكبير في الأعراف الثقافية في العالم العربي، لضمان أن لا ينظر إلى تشجيعنا للحرية السياسية كتبشير بمجموعة من القيم الثقافية الغربية، الأمر الذي قد ينتج عنه نتائج عكسية.

ومن جهة أخرى، فإن تشجيع انتقال سلمي وتدريجي في البلدان الأكثر قدرة على تحقيق مشاركة ديمقراطية أوسع هو أمر حيوي في سبيل التأسيس لرسالة سياسة واضحة بأن أميركا تدعم الحرية حيث يمكن تحقيقها ومتى يمكن ذلك بشكل فعلي.

ستكون هناك قرارات صعبة ومثيرة للخلاف كما هي الحال في ليبيا، لكن هذا لا يمكن أن يمنعنا من تأسيس مبدأ ارتباط حقيقي إلى جانب هؤلاء الساعين للحرية. إن خطابات الرئيس الأميركي باراك أوباما وتحركاته وخصوصا منذ انتفاضة تونس ومصر وغيرهما من البلدان، تظهر بوضوح إدراكه لهذا الأمر.

ان تشجيع إصلاحات ديمقراطية سلمية في المنطقة يشكل أيضا دبلوماسية وتعبيراً عاماً عن حقوق الإنسان بالقدر نفسه الذي تشكل به الاعانات الاقتصادية والعسكرية ذلك. ويقدم الانترنت فرصا مذهلة للولايات المتحدة لزيادة نفوذها وتأثيرها وبكلفة متدنية، وقد كانت فضائل أفكارنا وقيمنا هي دوما القاعدة الأقوى في تأثيرنا القومي.

إن عزل الجيل المقبل من الشباب في هذه المنطقة الحساسة، بإهمال تطلعاتهم وآمالهم بحرية أكبر وبفرص اقتصادية أكثر، يصب فقط في مصلحة أعدائنا. وقد كانت كلفة خلق أعداء جدد وخسارة حلفاء محتملين وإضافة المزيد من التكلفة الأمنية والعسكرية علينا، والتي نتحملها كشرطي للعالم، مرتفعة بشكل خيالي، كما اظهر العقد الماضي.

إن أفضل طريقة لتقوية الموقع العسكري والاقتصادي للولايات المتحدة هو في الوقوف مع هؤلاء الذين يتطلعون حقاً إلى القيم الأميركية الأساسية حول الحرية، والتسامح والتعددية والفرص الاقتصادية، والى جانبهم. والخبر السعيد هو أن أعداد هؤلاء تتزايد أسرع من أي وقت آخر منذ جيل على الأقل.