عندما جابهت الولايات المتحدة باكستان بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لم يكن هناك نقاش حول أهداف مشتركة، وإنما تهديد مباشر فقط: أنتم إما معنا أم ضدنا، وكان على باكستان أن تختار بين العداء للولايات المتحدة أو القبول بصفقة سريعة تتضمن وعوداً بأموال طائلة. بعد مصرع ابن لادن، وصف رئيس الوزراء الباكستاني يوسف رضا جيلاني العلاقات بين البلدين بأنها "تفتقر إلى الثقة". فأصوات كثيرة في أميركا وباكستان مضت ترتفع منددة بالعلاقة ومشككة بجدواها. ليس هذا فحسب، فقد قامت الولايات المتحدة بشن غارات على مواقع عدة في باكستان بعد عملية أبوت أباد، وهي على معرفة تامة بأن هذه العمليات سوف تغضب الجيش الباكستاني.

والحال أنه مهما كانت ازدواجية وتقلب العلاقة بين الولايات المتحدة وباكستان فإنها تظل حيوية لمصالح البلدين، حيث تحتاج الولايات المتحدة إلى مساعدة باكستان لكي تنجح في أفغانستان، لكنها أيضاً تحتاج إلى باكستان مستقرة، حيث البديل يعني بالنسبة لواشنطن أمة منهارة مليئة بالمجموعات الإرهابية، وتمتلك ترسانة نووية.

 

عيوب في الأسس

إن العلاقة بين البلدين، في الحقيقة لم تكن أبداً حول الثقة، وإنما كانت ولا تزال تحالفا استراتيجيا مبنياً على المصالح المتبادلة: رغبة باكستان في مساعدة عسكرية وخوفها من التحول إلى دولة منبوذة، وفي المقابل حاجة الولايات المتحدة لدعم إقليمي في الحرب الأفغانية. وفيما يتقاسم البلدان أهدافا مشتركة طويلة الأمد، فإن حاجاتهما قصيرة الأمد في الشراكة الاقتصادية والاستقرار نادراً ما تلتقي. ولذا يبقى السؤال: إلى جانب من تقف باكستان؟ يقول السياسي المعارض طارق عزيم ونائب وزير الإعلام تحت حكم مشرف: «إن باكستان هي إلى جانب باكستان». فالباكستانيون يدركون أن الأميركيين قد سبق لهم أن استخدموهم ثم تخلوا عنهم. ففي عام 1979 عندما غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان، قامت الولايات المتحدة بدعم باكستان، وسلحت المجاهدين الأفغان، لكن واشنطن عادت وفرضت عقوبات على إسلام آباد بسبب برنامجها النووي في عام 1990.

 

القوة الموحدة

وكان التحالف بين أميركا وباكستان في الثمانينات قد قوى الجيش الباكستاني وإدارة الاستخبارات التابعة له، حيث شكلا قناة تدفق الإعانات الأميركية، وبعد الحادي عشر من سبتمبر، استمر الجيش الباكستاني في أداء الدور نفسه.

لم يغير انقلاب مشرف العسكري في 2008 أي شرط في الصفقة، لكن الولايات المتحدة بدأت تقلق من كون الباكستانيين لا يقومون بدورهم. وفيما كانت باكستان تقاتل مجموعات إرهابية، كانت تبدو وكأنها تسمح لغيرها بالنمو، مثل شبكة حقاني المنتسبة إلى القاعدة، التي وجدت ملاذا آمناً لها في الأراضي الباكستانية.

وعلى الرغم من أن إدارة اوباما بقيت حذرة في ما يتعلق بتوجيه الاتهام إلى الحكومة الباكستانية أو القيادة العسكرية، بعد مقتل ابن لادن، إلا أن بعض المحللين يرون أن الصفقة التي عقدت في 2001 قد ألغيت، داعين إلى اغتنام الفرصة لمحاولة الانخراط برؤية بعيدة المدى نحو تشجيع حكم مدني في باكستان. لكن هؤلاء المحللين يشككون بمدى قدرة قيادة مدنية على تحقيق ذلك لضعفها ولدور الجيش المهيمن في البلاد.

 

عقلية الجيش

والباكستانيون في الواقع قلقون حيال كون الولايات المتحدة استطاعت إيجاد ابن لادن ودخول الأراضي الباكستانية، أكثر مما هم قلقون من وجود ابن لادن بينهم. يقول السفير الباكستاني السابق في أفغانستان اياد وزير: «إن هذا يقود إلى مسألة أخطر: هل ممتلكاتنا النووية آمنة؟»

أمر واحد لن يقوم به الجيش الباكستاني، ألا وهو الإمساك بالمسلحين في شمال وزيرستان، الذي يشكل ملاذا لشبكة حقاني. يقول السفير المتقاعد تنفير خان إن كلفة ذلك ستكون مرتفعة جدا على باكستان، فالجيش يقاتل الآن المسلحين في مناطق القبائل، وإذا كان الجيش يريد أن يكرس جنوده لمقاتلة مسحلين على حدوده الغربية، فسوف يخاطر بترك خاصرته الشرقية غير محصنة لهجوم من الهند.

قد يكون وراء بث هذه المخاوف المؤسسة العسكرية الباكستانية في محاولة لتبرير إنفاقها الكبير، لكن الهند قد فعلت القليل لتلطيف جنون الارتياب هذا، حيث تحشد قواتها على الحدود، وترسل عملاء إلى مقاطعة بلوشستان، حيث حركات الانفصال الإثنية تستحضر ذكريات بنغلادش. يقول فير: «من وجهة نظر الباكستانيين، فنحن الذين نلعب لعبة مزدوجة، فنحن نرفض مخاوفهم الأمنية، ثم نطلب منهم إزالة جيشهم لخوض حرب لا تتمتع بشعبية في باكستان، وفي الوقت نفسه نعطي الهند صفقة نووية، فلا عجب أنهم لا يثقون بنا».

 

التعايش الصعب

يعتقد المسؤولون الأميركيون أن مصرع ابن لادن يشكل فرصة لفصل طالبان عن القاعدة، وعندما يحصل هذا، فستكون باكستان مستعدة تماما لتقديم المساعدة، حيث هناك شبه اتفاق دولي بأن طالبان يجب أن تكون منخرطة في نوع من التسوية السياسية. يقول دبلوماسي غربي رفيع: «الأميركيون يحتاجون إلى الباكستانيين للتفاوض في أفغانستان، وبنظر الباكستانيين فإن هذا يبرر سياسة الحفاظ على العلاقات مع طالبان».

هكذا تحول إنكار المسؤولين الباكستانيين دعمهم لطالبان إلى نقطة تفوق بالنسبة لهم، حيث يرون ثمار سياستهم بعد عقد من الزمن. لكن مع ذلك يوضح عزيم أن مصالح بلاده سوف تبقى في مقدمة أية علاقة يعاد الاعتبار لها. سوف تحمي باكستان مصادر طالبان الخاصة بها، حتى لو طالبت أميركا بالمزيد من المشاركة في المعلومات الاستخبارية. لذا فإن على واشنطن أن تتخذ قراراً، ويقول عزيم: «هل يمكن استخدام باكستان بالرغم من كل مشكلاتها، وليس لديها احد غيرنا، يمكنها أن تستخدمنا، لكن ليس من خلال لي ذراعنا أو اتهامنا، إنما من خلال الجلوس معنا والاستماع إلى وجهة نظرنا. وهدفنا هو إيجاد حكومة صديقة في أفغانستان، فيما الأميركيون يريدون مخرجاً آمناً مشرفاً».