كان جمع الفصائل الفلسطينية كافة من أجل الوصول إلى مصالحة وطنية تجربة مفعمة بالعواطف والانفعالات بالنسبة للفلسطينيين الذين شاهدوا تحقق المصالحة، فقد وصل الربيع العربي أخيرا إلى فلسطين، وقد توصل اليسار واليمين الديني والمعسكر القومي على امتداد المشهد السياسي الفلسطيني بدعم من الحكومة المصرية الجديدة إلى اتفاق على تشكيل حكومة تكنوقراط لإجراء انتخابات في غضون عام، وإعادة بناء قطاع غزة، وهذه خطوة مهمة في طريقنا نحو الحرية والاستقلال.
كان الاحتفال الذي شهدته القاهرة تجسيدا لإرادة شعبنا الفلسطيني، وقد أفادت التقارير أنه بعد الاحتفال بالمصالحة قال فتى فلسطيني في مقتبل العمر: "أدعو فتح وحماس وباقي الفصائل الفلسطينية إلى المضي جنبا إلى جنب نحو الاستقلال لفتح بلادنا وبنائها".
من أفواه الصغار صدرت أكثر العبارات بساطة وقوة وتعبيرا عن المشاعر، وفي هذه الحالة فإن هذه العبارة التي أطلقها الفتى الفلسطيني عبـّرت عن مشاعر الفلسطينيين في كل مكان من تشيلي إلى لبنان. وكما قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس في القاهرة، فإنه مع تشكيل حكومة وحدة وطنية سيتعين علينا أن ننهي إحدى أكثر المراحل إظلاما في تاريخ الشعب الفلسطيني. يتطلع الفلسطينيون إلى الأمام الآن وسوف نواصل العمل بمزيد من الجد للحصول على الاعتراف الدولي بدولة فلسطين بحدود 1967، واعتماد القدس الشرقية عاصمة لها.
اليوم، يمكننا القول إننا حصلنا على الاعتراف بالدولة الفلسطينية من 112 بلدا، وفي أحدث اقتراع شهده مجلس الأمن على إنهاء التوسع في بناء المستوطنات اقترعت 14 دولة ضد الاستمرار في بناء المستوطنات، الأمر الذي يوضح وجود تأييد لا نظير له للموقف الفلسطيني قوامه أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية لا بد أن ينتهي. في ظل رئاسة محمود عباس نحن نختتم عملية بناء قدرات المؤسسة الفلسطينية، وبحسب ما ذكره البنك الدولي وصندوق النقد الولي للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، فإن فلسطين قد وصلت إلى وضعية أصبحت معها مستعدة للإمساك بزمام دولة، والاحتلال الإسرائيلي هو وحده الذي يقف في طريق تقدمنا.
في سبتمبر 2011 سيمضي الشعب الفلسطيني الموحد للأمم المتحدة للمطالبة بقبول دولة فلسطين كعضو كامل العضوية في المنظمة الدولية، لقد آن الأوان لكي تكف إسرائيل عن حجب الحرية عن الشعب الفلسطيني ونحن نستحق أن نحيا أحرارا مثل كل شعوب العالم الأخرى، ورسالتنا بسيطة للغاية: الشعب الفلسطيني لن يظل رهينة للتسلط والنزعة الأحادية الإسرائيليين. وعنف المستوطنين وتوسعهم لن يوقف شعبنا.
كما أن المصالحة الوطنية ستنشط نضالنا البعيد عن العنف من أجل العدالة والسلام، وقد ألهمنا في ذلك التصميم الذي يبديه كل أسبوع الشباب الفلسطيني والإسرائيلي والأوروبي والأميركي، الذين يتظاهرون معا كل يوم جمعة ضد سياسات الاحتلال الإسرائيلي في عشرات من الأماكن من الشيخ جراح وسلوان إلى بيلين والنبي صالح.
وهكذا فإننا فيما نواصل جهودنا لتوحيد شعبنا وبناء دولتنا فإننا نطالب إسرائيل بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الفلسطينية، الإسرائيليون أحرار في انتخاب من يختارونه ليمثلهم، سواء أكانوا من المعسكر المؤيد للسلام أو المناوئ له، وقد احترمنا اختيارهم بالتفاوض مع كل حكومة إسرائيلية منذ 1991، بما في ذلك الحكومة الإسرائيلية الائتلافية الحالية، والتي لا يعترف عضو واحد فيها بالحقوق الوطنية الفلسطينية. إن الخيار ليس بين حماس وإسرائيل على نحو ما أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وإنما الخيار بين المستعمرات الاستيطانية أو الدول، بين قبول دولتين بحدود 1967 تشكلان مستقبل الإسرائيليين والفلسطينيين حيث السلام الحقيقي أمر ممكن، أو استبقاء نظام فصل عنصري يحدد علاقتنا بالإسرائيليين باعتبارها علاقة قاهر ومقهور، وقد أوضحنا بجلاء خيارنا، وننتظر من إسرائيل أن توضح خيارها.
