لا شك أنه صحيح كما أشارت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية أخيرا انه بين المحتجين الفلسطينيين الساعين لاقتحام الحدود وصولا إلى إسرائيل، كان هناك البعض ممن لهم أهداف أكثر تواضعا من استعادة فلسطين التاريخية.
وقد نقلت الصحيفة عن أحد الفلسطينيين الذين حاولوا اقتحام الحدود في ذكرى النكبة قوله: «لقد عبرنا الحدود لكي نبقى مع عائلاتنا بعيدا عن الاضطرابات، ونحن نتطلع إلى البقاء على أرض الوطن». ولا شك أنه صحيح أيضا على نحو ما أشار غاي كارنين المتحدث باسم البيت الأبيض، أخيرا، أن محاولة اقتحام الحدود كانت جهدا من بعض الأطراف العربية «لإبعاد الاهتمام عن الاحتجاجات المشروعة التي تقوم بها الشعوب العربية». ويلاحظ في هذا الصدد، على سبيل المثال، أن الحدود بين إسرائيل وسوريا كانت هادئة على امتداد 37 عاما، وربما ليس من قبيل المصادفة أن تشهد أخيرا منطقة الحدود محاولات للاقتحام.
وإذا لم يكن الربيع العربي قد قام بأي شيء آخر، فإنه على الأقل قد تخلص من هذا الطرح الأخير. فمن اليمن إلى تونس ينتفض المحتجون ضد حكامهم لأسباب مختلفة تماما عن أي شيء يجري في غزة أو الضفة الغربية أو مرتفعات الجولان، وهذا بالطبع لا يعني أن المحتجين قد تخلوا عن التزاماتهم الانفعالية تجاه الفلسطينيين، أو عن التزاماتهم الأيديولوجية ضد إسرائيل، وإنما هو يعني أن هؤلاء المحتجين لديهم مشكلاتهم الخاصة، وهم يعكفون على محاولة علاجها.
اساءة فهم
ولكن كما أساء الغرب بصورة مستمرة فهم مشكلات العالم الإسلامي، فقد أخفق كذلك في فهم مشكلات الفلسطينيين، وما أخفق في فهمه في المقام الأول هو الطابع الجوهري للاجئين الفلسطينيين في مجمل الصراع.
الصورة الخيالية التي تقدم بشكل تقليدي فيما يتعلق باللاجئين على يد المتحمسين لعملية السلام هي أن القادة الفلسطينيين ينظرون إلى هؤلاء اللاجئين باعتبارهم ورقة مساومة في المفاوضات مع إسرائيل وربما مقابل إعادة تقسم القدس، ولكن ما عليك إلا أن تصغي إلى الحوار الداخلي بين الفلسطينيين لكي تسمع مقولة إن «حق العودة» لا سبيل إلى التخلي عنه، ولا إلى انتهاكه، وأنه حق فردي لكل لاجئ فلسطيني، وبتعبير آخر فإنه حق لا يمكن أن يساوم عليه القادة الفلسطينيون من أجل التوصل إلى تسوية مع إسرائيل.
وتؤيد أمور كثيرة الفلسطينيين في اعتقادهم هذا وفي تمسكهم به، وأحد هذه الأمور هي الوقائع التي جرت في عام 1948، والتي تضم سردا مطولا لما قام به الإسرائيليون تجاه الفلسطينيين. ومن الأمور الأخرى في هذا الصدد نص القرار الصادر عن الأمم المتحدة الذي يحمل رقم 1994، الذي رأى النور في 1948، والذي ينص بوضوح على أن: «اللاجئون الراغبون في العودة إلى بيوتهم وحياتهم بسلام مع جيرانهم ينبغي السماح لهم بذلك في أقرب وقت ممكن». والأمر الثالث هو الأونروا، تلك الوكالة التابعة للأمم المتحدة التي يرى بعض المراقبين أنها قد استدامت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على امتداد أجيال، بينما تمت إعادة توطين معظم اللاجئين الآخرين بنجاح.
وهناك أمر رابع وهو طبيعة العلاقة بين اللاجئين الفلسطينيين والدول العربية التي يوجدون فيها، وهي العلاقة التي كانت أحد العوامل الكامنة وراء حنينهم إلى العودة إلى أرضهم التي غدت البيارات رمزا لكل ما فيها. والأمر الخامس هو إصرار الكثير من الفلسطينيين على أن فكرة الدولة الفلسطينية مطابقة لخريطة إسرائيل ذاتها. ويمكن في هذا الصدد الإتيان على ذكر أمور أخرى كثيرة، ولكن جذور المشكلة واضحة للعيان بما لا يدفع بالمزيد إلى التفصيل هنا. والنقطة الجوهرية في هذا الصدد هي أن الشعور بالظلم الذي دام على امتداد 63 عاما، والذي يدفع الناس إلى التصرف على النحو الذي رأيناه في ذكرى يوم النكبة، لن يسمح بتسوية سياسية مع إسرائيل، ولن يتيح لأحد الشعور بالرضا على أية حال.
توقعات المراقبين
لا عجب إذاً أن إسماعيل هنية رئيس وزراء الحكومة الفلسطينية المقالة يمكنه القول إنه سيكون على استعداد لقبول حدود 1967، ولكن إقرار تلك الحدود لن يعني أبدا انتهاء الصراع. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي وصف الفلسطينيين الذين لقوا مصرعهم في ذكرى يوم النكبة بأنهم شهداء قضوا من أجل حقوق الشعب الفلسطيني ومن أجل الحرية. ويصدر هذا القول عن زعيم معتدل يفترض أن يمد الجسور بين شعبه وبين الواقع، وبين هدف التوصل إلى حل الدولتين. لقد ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابا شاملا حدد فيه الملامح الرئيسة لسياسات حكومته. فما الذي كان المراقبون يتوقعون منه أن يقوله؟ لقد قال على وجه الدقة ما يبدو أن إسرائيل ستتمسك به طويلا، وهو ما يبدو بعيدا عن فتح الآفاق أمام السلام في الشرق الأوسط.
