اتخذ الرئيس الأميركي باراك أوباما قراراً شجاعا وجريئا بإعطائه أمر إعدام أسامة بن لادن من قبل فرقة من البحرية الأميركية، على بعد 40 ميلاً عن إسلام أباد، من دون طلب الإذن من الحكومة الباكستانية.
وقد أعطاه نجاح العملية والمديح الذي أغدق عليه من بعدها، مصداقية لم يكن قد حظي بها في السابق، كقائد عام للقوات المسلحة الاميركية. والآن إذا اتخذ قرارا بانسحاب رئيسي للجنود الأميركيين من أفغانستان في يوليو المقبل، أو إذا وقف إلى جانب جنرالاته وقام بانسحاب رمزي، فإن البلاد في كلتا الحالتين سوف ترضى بقراراته.
لكن، بالنظر إلى منطقة الشرق الأوسط والمغرب العربي، فإن أحداث هذه السنة التاريخية تشير إلى تراجع مؤكد في القوة والحضور الأميركيين.
لنأخذ بعين الاعتبار باكستان اليوم، لقد استبد الإحراج بباكستان حين طارت فرقة كوماندوز أميركية بواسطة طائرات الهليكوبتر ليلا، وقتلت أسامة بن لادن في مجمعه، ومضت بجثته وكمبيوتراته وهواتفه المحمولة. وتبدو العلاقات بين الطرفين اليوم على وشك الانهيار، فالحشود تحرق العلم الأميركي في باكستان لتعدي الأميركيين على سيادتهم، فيما يتحدث أعضاء من الكونغرس عن قطع الإعانات عن باكستان لعدم إخلاصها بإخفاء أسامة بن لادن.
حتى قبل مصرع أسامة بن لادن ، كانت التقارير تفيد بأن رئيس الوزراء الباكستاني كان قد طلب من الرئيس الأفغاني حامد قرضاي في كابول ان يدع الأميركيين يغادرون بحسب الجدول الزمني في 2014، وأن يدع باكستان والصين يساعدانه على عقد صفقة مع طالبان. والمرجح على المدى البعيد أن يحصل أمر كهذا، حيث تغادر القوات الأميركية وتلك التابعة لـــ «ناتو»، وتعود طالبان، وينتقل الباكستانيون إلى فلك الصين التي لديها مصلحة بعيدة المدى في جنوب آسيا، والتي تملك أموالا تقدر بحوالي 3 تريليونات دولار من احتياطات العملة الأجنبية، وهو أكثر بكثير مما للولايات المتحدة المفلسة والواقعة في الطرف الآخر من العالم.
سوف تستمر «اللعبة الكبرى» في أفغانستان لكن من دون اللاعبين الغربيين، بين إيران وروسيا والصين وباكستان والهند فقط.
أما في ما يخص البلدين الإسلاميين الحساسين في المنطقة تركيا ومصر، فإننا نرى تفككاً شبيهاً للعلاقات مع واشنطن. وكانت تركيا تمضي في سبيلها منذ أن رفضت إعطاء الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن إذن استخدام القواعد التركية لغزو العراق.
ولقد أصبحت أنقرة اقل علمانية وتميل أكثر نحو الإسلام، وبدأت بتسليط الضوء على هويتها بأنها دولة شرق أوسطية، ولقد أصلحت علاقاتها مع جيرانها الذين تعتبرهم أميركا دولاً مارقة مثل إيران وسوريا، كما غدت بطلة بنظر فلسطينيي غزة.
ومنذ سقوط الرئيس المصري السابق حسني مبارك، مضت مصر في طريق مماثل، فسمحت للسفن الحريبة الإيرانية بعبور قناة السويس، وهي على وشك إعادة بناء علاقاتها مع طهران. كما أشرفت على عقد اتفاق يوحد حماس والسلطة الفلسطينية، وهي على وشك إعادة فتح المعابر بينها وبين غزة، فيما يجري تجاهل الغضب الإسرائيلي والإنذار الأميركي بتهذيب.
وعلى الرغم من أن سكان تركيا ومصر، مثل باكستان، يعادون الأميركيين، إلا أن الدولتين ليستا معاديتين بشكل مكشوف لأميركا، لكنهما تعتمدان سياسات تصطدم بسياستها. وهذه المسافة الجديدة بينهما وبين واشنطن يؤيدها الأتراك والمصريون. فالشيء الوحيد المشترك بين انتفاضات الربيع العربي هو رغبة تلك الشعوب في التخلص من الهيمنة الأميركية.لماذا إذن تتقلص بصمات أميركا في ذلك الجزء من العالم؟
أولاً، لان الأميركيين لم يكونوا اقل شعبية مما هم عليه اليوم، كما أن مطلب كل الثورات هو قيام حكومة جديدة مستقلة عن الولايات المتحدة وتدافع عن السيادة الوطنية.
ثانياً، نحن مفلسون، ولم يعد بإمكاننا تحمل تكاليف القواعد العسكرية ولا الحروب ولا الإعانات.
ثالثاً، لأن المصلحة الحيوية الحقيقية للولايات المتحدة في هذا الجزء من العالم هي أن لا تتحول هذه الدول الإسلامية إلى قواعد عسكرية للإرهاب، وبالتحديد الإرهاب النووي الموجه ضد أميركا.وهذا الهدف النهائي يمكن أن يخدم بشكل أفضل إذا ما حزمنا أمتعتنا وغادرنا بدلاً من أن نبقى ونحارب.
