قد يشير توقيت هذه الانتفاضات المفاجئ والمتتابع وتشابه بعض جوانب أنظمتها الأوتوقراطية إلى إمكانية شرح أسبابها، لكن السلطات التي واجهها هؤلاء المحتجون الشباب كانت فريدة من نوعها في كل دولة، تماماً كما المصاعب التي سوف تواجههم في المستقبل.

إن الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، وهو أول دكتاتور عربي يسقط عقب احتجاجات واسعة، ظهر في البداية كضحية غير محتملة. فتونس تتمتع منذ زمن بأفضل نظام تعليمي في العالم العربي، وبأكبر نسبة طبقة متوسطة، وأقوى حركة عمالية منظمة. لكن خلف هذه الانجازات، كانت حكومة بن علي قد قامت بتقييد صارم للتعبير الحر وللأحزاب السياسية. وقد استغل بن علي صورة البلاد كنظام تكنوقراطي عصري وكموقع سفر جاذب للسياح.

لكن وراء تلك الواجهة العالمية تقع طرق معزولة يكتنفها الغبار ومشهد كئيب، ولذا ليس مستغربا أن يتردد صدى ما يقوله المتشددون في البلاد من أن الحكومة كانت تبيع البلاد للسياح مقابل النقد الأجنبي.

وكان فساد عائلة بن علي يدور حول شخصه ويتسم بوحشية النهب. وعلى الرغم من أن مقدار الفساد في القمة كان مثيرا للانتباه، إلا أن حكم بن علي لم يعتمد ذاك النوع من تراكم الرشاوى الصغيرة الذي أفسد بيروقراطيات عدة، بما في ذلك في ليبيا، وبنسبة أقل في مصر. وهذا يعني أن مؤسسات تونس الحكومية كانت صحية نسبياً، مما يزيد من احتمالات أن تحل مكان حكم بن علي حكومة تكنوقراطية نظيفة وكفؤة.